بعد عام ونصف على سقوط الأسد، يقف المثقف السوري أمام مهمة شاقة في بلد خرج من حكم طويل شوّه معنى الدولة والوطنية والمواطنة والعدالة، وربط القانون بالخوف والولاء القسري والنجاة الفردية، لذلك يبدأ دوره من وصل التجارب السورية المتفرقة، ومن إعادة بناء معنى الدولة كحق عام يحفظ الناس، ويمنحهم علاقة أهدأ بالذاكرة والعيش المشترك.
يشغل المثقف السوري اليوم موقعاً يتجاوز صورة الكاتب المعارض والشاهد الأخلاقي والناجي من الرقابة، فقد دفعت سنوات الأسد الطويلة كثيراً من الكتابة السورية نحو كشف القمع وحفظ الذاكرة وتفكيك الخوف وتسمية الخراب.
الشهادة السورية وإعادة بناء المعنى الوطنيأما الآن فيجد المثقف نفسه أمام حاجة أوسع تتصل بإعادة ترتيب المفاهيم التي تؤسس صورة الدولة في وعي الناس، مثل المواطنة والحق والعدالة والمجال العام والسيادة والتمثيل والذاكرة الوطنية، وهي مفاهيم خرجت من عقود الاستخدام القسري محمّلة بأثر الخوف والولاء والاشتباه، لذلك يحتاج النقاش السوري إلى جهد لغوي ومعرفي يعيد ربط الدولة بفكرة الحق العام والمساءلة والمشاركة.
لقد أنتجت الثقافة السورية أرشيفاً واسعاً من الشهادة، من" القوقعة" لمصطفى خليفة التي جعلت سجن تدمر نصاً عن العزل والإلغاء، إلى أعمال خالد خليفة، خصوصاً" لا سكاكين في مطابخ هذه المدينة" و" الموت عمل شاق"، حيث تظهر العائلة والمدينة والجسد وهي تحمل أثر السلطة والخوف والتحلل الاجتماعي، وصولاً إلى سينما أسامة محمد ووئام بدرخان في" ماء الفضة"، وفيلم" تدمر" الذي أعاد إلى السجن وجوه معتقلين سابقين وأصواتهم، وهذا الأرشيف منح الضحايا حضوراً، بالمعنى الذي يقترب من عمل بول ريكور في" الذاكرة، التاريخ، النسيان"، حيث ترتبط الذاكرة بالاعتراف وبالعدالة وبقدرة المجتمع على مقاومة المحو.
ويحتاج هذا الأرشيف اليوم إلى انتقال من حفظ الوجع إلى بناء معنى سياسي مشترك، لأن الذاكرة التي تبقى داخل جماعتها الضيقة تفقد قدرتها على صنع رابطة عامة، وهنا يساعد موريس هالبفاكس في فهم الذاكرة الجماعية، فالمجتمعات تتذكر عبر أطر تمنح الوقائع معناها وتحدد مكانها داخل الجماعة، ومن هنا تتسع مهمة المثقف من توثيق السجن والاختفاء والنفي والحصار إلى جمع الخبرات السورية المتباعدة، سواء كانت خبرة الداخل، أو خبرة المنفى، أو خبرة السجن، وخبرة الفقد، وخبرة جيلٍ عرف الاستبداد في جسده، وخبرة جيلٍ ورث نتائجه في البيت والمدرسة واللغة.
من قول الحقيقة إلى بناء معنى الدولةيقترب المثقف هنا من المعنى الذي أعطاه إدوارد سعيد للمثقف في" تمثيلات المثقف"، ذلك الذي يقول ما يربك الراحة العامة ويفتح الملفات التي يفضّل الخطاب السائد إغلاقها، غير أن الحالة السورية تطلب أكثر من قول الحقيقة، فهي تطلب تحويل الحقيقة إلى أساس مشترك لمعنى الدولة والعدالة والمواطنة، وهذا يتطلب كتابة تعرف كيف تصل بين السيرة الفردية والجرح العام، وكيف تمنع الذاكرة من التحول إلى عزلة، وكيف تجعل الاعتراف بداية لترميم العلاقة بين الناس والقانون.
تبدأ إعادة معنى الدولة من فك الصلة التي صنعها حكم الأسد بين الدولة والخوف والوثيقة الأمنية والامتياز والولاء، فقد عاش السوريون زمناً طويلاً مع قانون يفتح أبوابه بحسب القرب من القوة، ومؤسسات تجعل الخدمة العامة امتداداً للطاعة، ووطنية تقيس الإنسان بدرجة انضباطه أمام السلطة، لذلك يواجه المثقف ذاكرة استعمال كاملة علقت بكلمات الدولة والمواطنة والسيادة والعدالة، وهنا يفيد راينهارت كوسيلة في تاريخ المفاهيم، لأن المفهوم يعيش في التجارب التي تمنحه وزنه الاجتماعي والسياسي.
فيما تساعد حنّه آرنت في قراءة هذا الموضع لأنها ربطت السياسة بقدرة البشر على الظهور والكلام والفعل أمام آخرين، وهذه الفكرة تقرّبنا من جرح سوري واضح، فقد حوّل الأسد الكلام العام إلى مخاطرة، وجعل الرأي شبهة، ودفع الناس إلى تدريب طويل على الصمت والحذر، ومن هنا يبدأ دور المثقف من إعادة الكلام إلى الحياة المشتركة، وعلاقة المواطن بالموظف والشرطي والقاضي والمعلم، حيث تستعيد المواطنة معناها عبر الحماية والمشاركة والكرامة، وتستعيد العدالة معناها عبر المحاسبة والاعتراف، وتستعيد الوطنية معناها عبر صلتها بالحق العام.
من ذاكرة الحاكم إلى معنى الدولةبعد سقوط الأسد، عاد الكلام السوري محمّلاً بخبرات السجن والمنفى والفقد والخوف والشك، ومعه عادت مفردات كثيرة ملوثة بسنوات الرقابة والتخوين والنجاة الفردية، فالذي عاش داخل البلاد حمل علاقة شديدة الحساسية مع العبارة والإشارة والصمت، والذي عاش في المنفى حمل علاقة أخرى مع الذاكرة والبعد والعودة، والذي خرج من السجن حمل زمناً مختلفاً في جسده، لذلك يحتاج المثقف إلى وصل هذه الخبرات من دون تسطيحها، وإلى ربط الشهادة بالمعرفة، والتجربة الفردية بالسياق، والذاكرة بالحق، كي يحافظ الكلام العام على قدرته النقدية.
يساعد كلود لوفور في قراءة ما تركه الأسد داخل صورة الدولة، فالديمقراطية عنده تبدأ عندما يخرج موقع السلطة من جسد الحاكم ويصير قابلاً للمنازعة والرقابة والتداول، وهذه الفكرة تمس سوريا مباشرة، لأن زوال صورة الحاكم من الجدران لا يمحو أثرها من اللغة والعقل والعلاقة بالمؤسسة، فقد تعلّم السوريون طويلاً طلب الدولة كقوة راعية، والخوف منها كجهاز عقاب، وانتظارها كمصدر للامتياز، لذلك يحتاج المثقف إلى تفكيك هذه العادات السياسية داخل المجتمع، وإلى ترسيخ معنى يجعل الدولة حقاً عاماً، والقانون حماية، والمؤسسة خدمة، والذاكرة طريقاً إلى العدالة.
بهذا المعنى، يغادر المثقف السوري موقع الشاهد وحده، ويدخل في عمل أوسع على تعريف الدولة داخل اللغة والحياة، فهو لا يضع برنامجاً سياسياً جاهزاً، ولا يكتب نيابة عن الناس، وإنما يساعد على بناء قاموس عام يربط الذاكرة بالحق، والحق بالقانون، والقانون بالحماية، والحماية بالمواطنة، وفي بلدٍ خرج من حكمٍ طويل أتلف الثقة بين الناس والمؤسسات، تبدو هذه المهمة جزءاً من إعادة بناء الدولة نفسها، لأن الدولة تبدأ أيضاً من الكلمات التي يتعلم الناس استخدامها حين يطالبون بحقهم في العيش والكرامة والاعتراف.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك