تتجاوز الجلسة الثالثة من المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل في مقر وزارة الخارجية الأميركية في واشنطن الأبعاد البروتوكولية الشكليّة، لترسي خطاً فاصلاً في تاريخ المنطقة يضع “الحزب” في الزاوية، ويؤسس لمرحلة انتقالية كبرى يخضع فيها هذا “التنظيم الإيراني” في لبنان لمقصلة التفكيك والتدجين الدولي.
وسواء انتهت جولات برنامج العمل المكثف الممتد على يومين ببيان تنفيذي أو بتأجيل الشروط، فإن المتغيرات الجوهرية باتت تحكم المشهد.
المعلومات المسربة من أروقة العاصمة الأميركية واشنطن، أن السفير الإسرائيلي أبلغ الوفد اللبناني والبيت الأبيض رسمياً برفض بلاده وقفاً شاملاً لإطلاق النار قبل انتزاع ترتيبات أمنية حاسمة، عارضاً خطة عملياتية محددة جغرافياً وتدريجياً لتسليح وتأهيل الجيش اللبناني تتولاها واشنطن لمساعدته في تنظيف وتطهير المناطق من السلاح غير الشرعي، بالتزامن مع الانسحاب الكامل فور بسط الدولة لسيطرتها المنفردة والحصرية على أراضيها.
ووفق معلومات مؤكدة، لموقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، فإن هذه الشروط الإسرائيلية تحظى بتفهم كامل من الجانب الأميركي الذي لن يمارس أي ضغوط على تل أبيب لفرض هدنة هشة، ما يضع التنظيم الإيراني المسلح أمام خيارين لا ثالث لهما: التفكيك أو الاستنزاف.
ويأتي هذا الحصار الدبلوماسي مدعوماً بزخم مؤسساتي صلب من بيروت، كرسه اللقاء بين رئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام في بعبدا، لمواكبة الوفد اللبناني برئاسة سيمون كرم وتوفير غطاء شرعي كامل لـ”ثلاثية الدولة” القائمة على التفاوض المباشر، ونزع السلاح، وفصل المسارات.
ويتكامل هذا الإطباق الدبلوماسي مع الاختراق الذي فجرته المقابلة النارية لوزير الخارجية يوسف رجي مع صحيفة Corriere della Sera الإيطالية؛ حيث وجّه رجي ضربة قاضية لـ”لاءات” نعيم قاسم التعبوية بإعلانه رسمياً أن الحكومة طالبت “الحزب” بتسليم سلاحه، واعتبرت أعماله العسكرية خارجة تماماً عن الشرعية الدستورية والقانون.
وقطع رجي الطريق على أي مقايضة إقليمية، بجزمه أن ملف لبنان منفصل بالكامل عن أي مفاوضات أميركية ـ إيرانية، معلناً بلسان سيادي حازم: “لن يتفاوض أحد باسم لبنان، فنحن دولة ذات سيادة واستقلال”.
وكشف رجي عن ترتيبات عملية مع إيطاليا والاتحاد الأوروبي للتحضير لما بعد انتهاء مهمة قوات “اليونيفيل” في الجنوب، لإنهاء حقبة الأمن المستعار وتسليم كامل الصلاحيات العسكرية والأمنية للجيش اللبناني وحده لفرض حصرية السلاح.
هذا الحصار السياسي يترافق مع تطورات الميدان بجحيم غارات مكثفة تشنّها إسرائيل لفرض “الخط الأصفر” العازل بقوة النار، تزامناً مع طلب المستوى السياسي من رئيس الأركان إيال زامير تقديم خطة لتوسيع التوغل البري، بانتظار “ضوء أخضر” من واشنطن تسعة تل أبيب للحصول عليه بجهد حثيث.
أمام هذه المقصلة المزدوجة، يعيش التنظيم الإيراني في لبنان حالة هستيريا معلنة نتيجة العجز المفضوح، لكنه يصر على تعنته لأنه أسير تبعيته لطهران، حيث يواصل قاسم والمتحدثون باسمه محاولات تعطيل المسار الشرعي ورهن دماء اللبنانيين بمصالح الولي الفقيه.
غير أن الوقائع تؤكد أن قدرة منظومة فيلق القدس في لبنان على الابتزاز قد انتهت؛ فالدولة تمضي بمسار التفاوض إلى النهاية مستندة إلى أكثرية شعبية سئمت الحروب العبثية المدمرة، وداعمة لخيارات الدولة الإنقاذية حتى من قلب البيئة الشيعية التي بدأت بلفظ الأكفان الحزبية، وصولاً إلى قيامة جمهورية سيدة مستقلة تؤمن الاستقرار لجميع مواطنيها بعيداً عن وصايات المحاور وحروبها المتناسلة التي لم تجر على الوطن سوى الموت والخراب.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك