بتول طالبة جامعية تقيم في سكن جامعي، قالت في تسجيل لها: " هاجرتُ في سبيل الله"، أي تخلّت عن مذهب أسرتها العلوي، وتبنّت المذهب السنّي.
ومصطلح الهجرة هنا يعني الانتقال إلى المذهب السلفي الجهادي تحديداً.
طبعاً، كان بمقدورها تغيير مذهبها الديني، وأن تبقى في السكن محمية من الأمن العام.
هناك تفاصيل كثيرة لم تُناقش، رغم الضجيج الذي رافق هجرتها: أين تقيم؟ من يدعمها مالياً بعد ترك عائلتها؟ هل تركت جامعتها؟ هل تقتضي هذه الهجرة تركها السكن الجامعي وجامعتها؟ وهناك من يركّز على أنّها بالغة وراشدة، ويحقّ لها أن تفعل بنفسها ما تشاء.
في السياق السوري، هذا الكلام غير واقعي، ويتجاهل تراكمات طائفية كثيرة، منذ ما قبل الثامن من ديسمبر/ كانون الأول، وبعده.
يتجاهل التعقيد كلّه في المسألة الطائفية، ويتجاهل ظاهرة خطف النساء العلويات، وغيرهن، طبعاً، وهي ظاهرة وثّقت وقائعها منظّمات دولية، مثل هيومن رايتس ووتش وأمنستي ولجنة التحقيق الأممية المستقلّة، وتقارير وكالة رويترز وغيرها من وكالات.
فهل يُعقل، في هذا الوضع، أن تهاجر فتاة لم تبلغ 21 عاماً إلى السلفية، وألّا تكون مختطفةً؟يرفض الإسلاميون عودة بتول علّوش إلى أُسرتها بدعوى أنّها لم تعد ابنتهم، بل ابنة" الدين الجديد"، فينفون حقّها في الاختيار الحرّتحوّلت قضية بتول إلى قضية رأي عام، وأبدى السوريون أراء كثيرة بشأنها، بين قائل إنّها مختطفة، بناءً على حجج تدعم هذا الرأي، وقائل إنّها هاجرت في سبيل الله بمحض إرادتها" الحرّة" باعتبارها بالغة.
وتحوّل الأمر إلى خلاف طائفي شديد، فاتّهم بعض رجال الدين السلفيّين أتباع الطائفة العلوية بأنهم" غير مسلمين"، ورفضوا أن تعود بتول إلى منزل أُسرتها بعد هجرتها، وطالب، للسبب عينه، مشايخ دين علويون المفتي بأنّ يقول رأيه: هل العلويون مسلمون أم لا؟ إذاً، تجاوزت حادثة مغادرة بتول منزل أسرتها أن تكون قضيةً عائليةً، فقد أصبحت قضيةً طائفيةً، وانتقالاً من مذهب إلى مذهب آخر.
ولا يمكن لقضايا مثل هذه أن تكون" ترنداً" وتُنسى في اليوم التالي.
تمسّكت الأسرة بابنتها، ووفقاً لطبيعة مجتمعاتنا، هذا موقف أخلاقي ستتّخذه أيّ عائلة، وبغضّ النظر عن مذهبها.
وبالتالي، لا تنطلق القضية هنا من رفض حرّيتها في تغيير المعتقد، بل من زاوية الأخلاق والعاطفة وقيم الأسرة.
وأيضاً، لم ترفض العائلة حقّ ابنتها في أن تغيّر مذهبها.
بذلك، صار لدينا مكانان يمكن لبتول أن تغيّر فيهما مذهبها: السكن الجامعي، وبيت العائلة.
فلماذا اختارت تركهما والذهاب مهاجرةً إليها؟ هناك أمر ملتبس للغاية.
شهدنا محاولات من" الجماعة" التي هاجرت إليها بتول، وتسجيل فيديو هنا وهناك، لتؤكّد أنّ الفتاة ليست مختطفةً، وذهبت بمحض إرادتها.
تعرّضت هذه الفتاة لمواقف مؤلمة كثيرة، من استدعائها إلى النيابة العامّة، إلى جلسة للإعلام بعد منتصف الليل وغيرها، لتقول إنّها ليست مختطفةً.
جرى الأمر لأنّ حادثة تركها أسرتها كادت أن تُحدث حالة عدم استقرار أهلي في الساحل السوري كلّه، وبالفعل، كانت هناك دعوات إلى التظاهر ضدّ" الخطف"، ولوّحت مديريات للشرطة بمنع هذا، باعتباره تحريضاً ضدّ الدولة.
وبالتالي، تشكّل هذه الحادثة، " وما يشبهها" (ولا نعلم تفاصيل كثير منها)، خطراً مؤكّداً على السلم الأهلي، والصدام بين الطوائف.
وبالتالي، كان يجب أن تتحرّك السلطة سريعاً، وأن تُجري، وبشكل مستقلّ ومحايد، تحقيقاً في ما جرى، وبعيداً من الإعلام والاستثمار و" الترند".
لم تفعل، فهل تستثمر فيها؟بدا في إثر" هجرة" بتول نقاش سوري عجيب بعض الشيء، فقد اتفق إسلاميون مع ليبراليين على أنّ الفتاة بالغة، ويحقّ لها تبنّي أيّ آراء جديدة، بما فيها تغيير مذهبها الديني.
وإذا كان الليبراليون يضعون بعض المحاذير والشروط، فإنّ الإسلاميين يدافعون عن هذا الحقّ، ويرفضون بشكل قاطع عودتها إلى أُسرتها بدعوى أنّها لم تعد ابنة أُسرتها، بل ابنة" الدين الجديد".
وبذلك ينفون حقّها في الاختيار الحرّ، ويتكلّمون عنها، وربّما يهدّدونها، والجميع كذلك، بأنّه لا عودة إلى" دينها" القديم، أو لا إمكانية للانتقال إلى دين ثالث.
ويقف ليبراليون مع هذا الحقّ في الانتقال، وهذا خلاف مهم بين التيّارين.
يخطئ الليبراليون في تركيزهم على حرية المعتقد والحقّ في تغييره، وتبديل الدين بعامّة، وهو طرح سليم من حيث المبدأ في تناول قضية بتول علّوش التي لا يزال يحيط بها غموض كثير، وتغيب أيّ مؤشرات قبل" هجرتها" إلى احتمال كهذا.
استغلال الإسلاميين المتشدّدين هذا لم يرافقه تأييد الإسلام الشعبي المعتدل الذي مال إلى أنّ القضية يعتورها كثيرٌ من الشكوك واللامعقولية، وأنّه يجب إعادة الفتاة إلى عائلتها وترك الحقّ لها بتغيير مذهبها وسواه.
تأتي حادثة بتول في سياق ظاهرة الخطف الشائعة في سورية بعد الثامن من ديسمبر (2024)، وهناك عدد ليس قليلاً من السيّدات العلويات المختطفات، وتتحدّث تقارير عن أكثر من مائة، بينهنّ من لديهن أطفال، وعازبات، ومراهقات.
هذا السياق أساس في النظر إلى موضوع بتول، ولكنّ القضية جاءت تحت اسم جديد، وهو" الهجرة في سبيل الله".
السياق السابق هذا، وجديد قضية بتول، يؤكّدان أنّ هناك ضرورة لفتح تحقيق جادّ عبر المنظمات الدولية بالتحديد، لغياب ثقة معظم العلويين في مؤسّسات السلطة، ولا سيّما بعد الانتهاكات بحقّهم في مارس/ آذار 2025، وبطء سير التحقيق في تلك المجازر.
تطبيق الوصفة الليبرالية" الحقّ الفردي بتغيير المذهب" على قضية بتول علّوش مدخل خاطئ لفهم الظاهرة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك