كانت الأندلس ساحة للملاحم والبطولات حتى بعد سقوطها عام 897هـ/ 1492م، فبعد مرور أكثر من 75 عاما على هذا التاريخ، وفي وقت نكث فيه الإسبان بوعودهم على تأمين أهل غرناطة في دينهم وأنفسهم وأموالهم، واضطهدوهم دينيا وقاموا بتطهيرهم عرقيا، ناصبين لهم" محاكم التفتيش"، تحولت حياة المورسكيين، وهم المسلمون الذين بقوا بعد سقوط غرناطة، وأُجبروا على على التنصر، هناك في جبال البشرات صدح زئير أندلسي أصيل، أعاد للأذهان أمجاد بني أمية، الذين أسسوا لدولة الإسلام في الأندلس.
كان محمد بن أمية قائدًا عسكريًا غير تقليدي، بل بطلاً سطر أروع الملاحم في تاريخ الأندلس، وبين ليلة وضحاها نزع عن نفسه اسمه الإسباني" فرناندو دي بالور" النبيل المورسكي الذي يعيش في كنف الدولة الإسبانية، ليصبح محمد بن أمية، سلطان الأندلس، الذي لبس الكفن، وأعلن الثورة، ورفع راية الإسلام في وجه ملك الإسبان فيليب الثاني.
قاد محمد بن أميه أخطر انتفاضات البشرات بين عامي 1568-1571م، تلك الثورة التي جاءت كرد فعل شعبي وعقائدي على نقض الملك فيليب الثاني لتعهداته، ومحاولاته المستميتة لطمس الهوية العربية والإسلامية، وفرض قيود صارمة على المورسكيين، من بينها منع التحدث بالعربية، ونبذ الزي التقليدي، وحرمانهم من أطفالهم.
لقد استطاع هذا القائد الشاب بذكائه وشجاعته أن يوحد صفوف المورسكيين المُشتتة، وأن يشكّل جيشًا شعبيًا من المسلمين الموريسكيين، ليحقق انتصارات ميدانية مُذهلة، منها تحرير مدن أندلسية إستراتيجية؛ مما أربك الإمبراطورية الإسبانية.
كما واجه محمد بن أمية خفايا المؤامرات والضغائن الداخلية، والظروف المأساوية التي أدت إلى اغتياله في 20 أكتوبر عام 1569م، وكيف تحولت ثورته إلى شرارة استمرت في إشعال جنوب إسبانيا، لتظل قصة ابن أمية مثالاً حيًا على كفاح شعب أقسم على البقاء رغم أنف التنصير القسري ومحاكم التفتيش.
إن قراءة سيرة محمد بن أمية هي قراءة في تاريخ الدم والشرف والتشبث بالأرض في لحظة تاريخية كانت الأندلس فيها تلفظ أنفاسها الأخيرة.
وُلد محمد ابن أمية سنة 1520م لأسرة مورسيكية من سلالة الخلفاء الأمويين في الأندلس، وكان المورسكيون يُجبرون على تعميد أبنائهم، وعمل فريناندو أو محمد بن أمية قبل ثورة البُشرات عضوا ببلدية غرناطة، وقيل إنه وضع لفترة رهن الإقامة الجبرية؛ لأنه استل خنجرًا ذات يوم في مبنى البلدية.
غير فرناندو اسمه إلى محمد بن أمية ليقود أروع انتفاضة عرفتها الأندلس بعد سقوطها، ليعيد توحيد ضفوف المورسكيين، وليكون جيشًا شعبي قوامه من المدنيين المورسكيين، ليحارب به الإمبراطورية الإسبانية، ثم إنّ القوات الشعبية لمحمد بن أمية الأموي استطاعت من أن تحرر مدينة ألمرية ومدينة مالقا من أيدي النصاري القشتاليين.
استطاع القائد الإسلامي محمد بن أمية أن يشعل انتفاضة إسلامية في ربوع إسبانيا سميت في التاريخ بانتفاضة جبال البشرات، والقصة بدأت عندما نقض الملك فيليب الثاني تعهداته السابقة التي قطعها على نفسه في معاهداته مع المسلمين ربما ليشعل عمدًا جذوة ثورة إسلامية يتخذها ذريعة لطرد المورسكيين من جنوب إسبانيا، وأصدر مرسومًا يفرض على المورسكيين نبذ أسمائهم العربية وزيهم الموريسكي التقليدي، وحرم التحدث بالعربية والأمازيغية، وأجبر المسلمين على تسليم أطفالهم إلى قساوسة مسيحيين لتنشئتهم على الدين المسيحي.
أدى تصاعد الاضطهاد ضد من بقي من المورسكيين في مملكة غرناطة السابقة إلى اندلاع ثورة مُسلحة خُطط لها من فرج بن فرج سليل بني الأحمر، آخر من حكموا غرناطة من المسلمين ومحمد بن عبو واسمه المسيحي" دييجو لوبيث"، مستغلين تذمر أهل البشرات من المرسوم الأخير، ومستعينين بملوك شمال إفريقيا.
وفي ليلة عيد الميلاد سنة 1568م، اجتمع سرًا ممثلون عن مسلمي غرناطة والبشرات وغيرهما في وادي الإقليم وأعلنوا تبرؤهم من المسيحية، وبايعوا فرناندو دي بالور ملكًا لهم، واختار اسم" ابن أمية"؛ كونه ينحدر من سلالة أموية فتلقب به، وتم ذلك تحت شجرة زيتون المورو، وتقع اليوم في مزرعة.
اتخذت الانتفاضة التي قادها محمد بن أمية شكل حرب عصابات ضد القوات القشتالية في جبال البشرات، وتزايد عدد الثوار باضطراد من أربعة آلاف رجل سنة 1569م إلى 25 ألف رجل في العام التالي بينهم جنود متطوعين من الامازيغ والأتراك.
هنالك اضطر الملك الإسباني فيليب الثاني إلى أن يطلب العون من إمبراطورية النمسا لإنقاذ إسبانيا من ذلك الصقر الأموي، وفعلاً استطاعت هذه القوات الإمبراطورية أن تقمع هذه الإنتفاضة الشعبية.
عندما قام الإسبان بمذبحة سجن غرناطة حقنوا دم والد وأخ ابن أمية للضغط عليه، فأرسل ابن أمية رسالة إلى خوان النمساوي يعرض فيها عليه تسليمهما له مقابل ثمانين أسيرًا مسيحيًا، وإلا انتقم من المسيحيين الذين تحت سلطته، فاتفق المجلس الحربي في غرناطة على عدم الإجابة، وأرغموا والد ابن أمية بالكتابة لابنه ناهيًا إياه عن متابعة الثورة ونافيًا أية إساءة أو تعذيب.
اغتنم ذلك بعض المسلمين المتعاملين مع الإسبان للعمل على قتله، وعلى رأسهم دييجو الوزير، أخ زوجة ابن أمية، وكانت بينه وبين ابن أمية ضغينة، فأخذوا يبثون الشك بين ابن أمية والمتطوعين القادمين من شمال إفريقيا.
طلب ابن أمية إلى قائده محمد بن عبو ضم الأتراك إلى قوته والسير بهم إلى الإسبانيول وانتظار أوامره، وكانت غاية ابن أمية تحرير ميناء مطريل دون أن يتسرب خبر اتجاه قواته إليها إلى عدوه، فمر حامل الرسالة على أجيجر، فعلم دييجو الوزير منه مضمونها، فتآمر مع كاتب ابن أمية في تزوير رسالة أخرى يأمر فيها بقتل حامل الرسالة الأولى، فوصلت الرسالة المزورة إلى ابن عبو هذا الأمر، وآمن بالشائعات التي نشرها العدو حول نية ابن امية مهادنة الإسبان لتحرير والده وأخيه، واعتقد المتطوعون أن ابن أمية قد خان، فقرروا عزله وإعدامه دفاعا عن الثورة.
وسار ابن عبو والمتطوعة الأتراك إلى مقر ابن أمية في لوشر، فقبضوا عليه وواجهوه بالتُهم التي يتهمونه بها، وأطلعوه على الرسالة التي بيدهم، فتبرأ ابن امية من التهم الموجهة ضده، مؤكدًا لهم أن الرسالة مزورة، لكن دفاعه هذا لم يفده، فسجنوه في غرفة وكلفوا بحراسته دييغو الوزير ودييغو أركش كاتبه الذين قتلاه خنقًا في ليل 20 أكتوبر 1569م.
عقب اغتيال ابن أمية بويع ابن عبو قائدًا للثورة واتخذ لقب مولاي عبد الله، ورغم أن الثوار حققوا بعض الانتصارات تحت قيادة ابن عبو، إلا أنهم سرعان ما خسروا ما كسبوه وقُتل ابن عبو بيد بعض أتباعه في مؤامرة دبرها الإسبان في أحد كهوف البشرات في 13 مارس 1571م.
بعد نجاح الإسبان في قمع الثورة سنة 1571م، نُقل جميع سكان البشرات تقريبًا إلى قشتالة وغرب الأندلس، وأخليت حوالي 270 قرية من سكانها المسلمين ووُطن في بعضها مسيحيون من الشمال الإسباني بينما تُرك البعض الآخر خاويًا على عروشه، وقد ترتب على هذا التغير الديموغرافي تدمير صناعة الحرير لقرون تالية.
كما أمر فيليب الثاني بتشتيت شمل 80 ألفًا من مورسكيي غرناطة في أنحاء متفرقة من مملكته لتفتيت وحدة المجتمع الموريسكي وتسهيل دمجهم في المجتمع المسيحي، إلا أن العكس هو ما حدث، إذ كان لمورسكيي غرناطة المهجرين تأثير كبير في المورسكيين الذين سبقوهم بالتوطن الإجباري في المناطق التي نُقلوا إليها، والذين كانوا على وشك الاندماج فعليًا في تلك المجتمعات.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك