شكّلت مسابقة الأغنية الأوروبية" يوروفيجن" (Eurovision) على مدى سبعة عقود منصة انطلقت منها أسماء موسيقية بارزة، من بينها فرقة" آبا" (ABBA) والمغنية الكندية سيلين ديون، وتحولت إلى رمز لافت للتكامل الأوروبي ومنبر تتقاطع فيه السياسة والتغيرات الاجتماعية.
وتجمع المسابقة فنانين من مختلف أنحاء أوروبا وخارجها، تختارهم هيئات البث العامة في بلدانهم، وقد نجحت طوال تاريخها في إمتاع الجمهور وإثارة دهشته.
وتستعد الآن المسابقة السنوية، التي قاطعتها بلدان بسبب مشاركة إسرائيل، للنهائي الحافل في الذكرى السبعين لتأسيسها في فيينا السبت.
فما الذي يجعل يوروفيجن فريدة؟تأثرت المسابقة هذا العام بشكل واضح نتيجة انسحاب عدد من الدول الأوروبية احتجاجاً على مشاركة إسرائيل بسبب حربها على غزة، كما طاولت ردات الفعل السلبية نسخة العام الماضي أيضاً.
لكن هذه ليست المرة الأولى التي تتأثر فيها" يوروفيجن" بالتوترات الجيوسياسية، إذ عكس غياب دول الكتلة الشرقية خلال الحرب الباردة الانقسام الأوروبي.
كما شهدت ستينيات القرن الماضي احتجاجات على مشاركة إسبانيا في عهد فرانشيسكو فرانكو، والبرتغال في عهد أنطونيو دي أوليفيرا سالازار.
وفي عام 1974، دفع الغزو التركي لقبرص اليونان إلى الانسحاب، فيما تركت التوترات بين جورجيا وروسيا، والنزاع في إقليم ناغورني قره باخ بين أرمينيا وأذربيجان، بصماتها أيضاً.
كما استُبعدت روسيا عام 2022 بعد غزوها لأوكرانيا، قبل أن تفوز فرقة كالوش أوركسترا (Kalush Orchestra) الأوكرانية في نهاية المطاف.
منذ توسّعت المسابقة لتشمل دول أوروبا الشرقية في العقد الأول من الألفية الثالثة، أصبحت" يوروفيجن" أداة لتعزيز التكامل الأوروبي، بحسب بول جوردان، الخبير في جامعة غلاسكو.
وأشار جوردان إلى أن المشاركة ساعدت دولاً من الاتحاد السوفييتي السابق، مثل إستونيا وأوكرانيا، على ترسيخ هويتها الأوروبية، مضيفاً أن أوكرانيا استخدمت المسابقة لإبراز نفسها دولةً أوروبيةً مستقلةً في مواجهة موسكو.
بدورها، رأت غالينا ميازيفيتش من جامعة كارديف أن المسابقة لم تكن فقط منصة لإبراز الهويات الوطنية، بل أيضاً مساحة لتداخل الثقافات، مع انتشار الأغاني الثنائية اللغة وازدياد مظاهر التجانس الثقافي.
في عام 1961، فاز جان كلود باسكال بأغنية" نحن العشاق" (Nous les amoureux)، التي تتناول قصة حب ممنوع، فُسِّرت لاحقاً على أنها تلميح إلى المثلية الجنسية.
ثم أصبحت المسابقة منصة أكثر انفتاحاً.
ففي عام 2015، رشحت فنلندا فرقة" بيرتي كوريكان نيميبايفات" (Pertti Kurikan Nimipaivat) لموسيقى البانك، وهي تضم موسيقيين من ذوي الإعاقة.
وفي عام 2021، تناول جانغو ماكروي، المولود في سورينام، قضايا العبودية والعنصرية والإرث الاستعماري في أدائه.
وفي العام نفسه، قدمت المغنية الروسية مانيزا أغنية تتناول الضغوط التي تواجهها النساء وتحررهن، ما أثار جدلاً واسعاً في بلدها.
منذ أن حققت فرقة آبا السويدية شهرة عالمية واسعة بعد فوزها في مسابقة الأغنية الأوروبية عام 1974، ساهمت" يوروفيجن" في وصول العديد من النجوم، بمن فيهم سيلين ديون وفرقة مانسكين الإيطالية، إلى النجومية.
ومع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، لم يعد الفوز شرطاً أساسياً لتحقيق نجاح عالمي.
فقد حققت أغنية" سناب" (Snap) للأرمنية روزا لين، التي احتلت المركز العشرين في مسابقة عام 2022، انتشاراً واسعاً على منصتي إنستغرام وتيك توك، قبل أن تدخل قوائم الأغاني العالمية.
يحصد أرشيف" يوروفيجن" ملايين المشاهدات على" يوتيوب"، بفضل العروض التي رسخت مكانة المسابقة في الثقافة الشعبية.
وامتدت شهرتها لتتجاوز عالم الموسيقى، حتى وصلت إلى الولايات المتحدة مع فيلم" يوروفيجن: قصة فاير ساغا" (Eurovision Song Contest: The Story of Fire Saga)، من بطولة ويل فيريل عام 2020.
لكن الأمر لم يكن كذلك دائماً.
إذ عُدّت في ثمانينيات القرن الماضي وتسعينياته مبتذلة في نظر بعض الأوساط الغربية، لكنها استعادت بريقها، خصوصاً بعد فوز كونشيتا فورست عام 2014.
ورغم أن بعض العروض لا تزال تُثير الاستغراب لاعتبارها مبتذلة أو قائمة على فكاهة موجهة لفئة ضيقة، تُرضي المسابقة أذواقاً متنوعة، من البوب إلى الأوبرا، ومن الروك إلى الراب، ومن الفولك إلى الشانسون، بحسب جوردان.
وأوضح: " إنها بمثابة مرجع ثقافي مشترك بين الجميع".
وتابع: " نكبر ونحن نشاهد هذا العرض التلفزيوني، وأعتقد أن هناك حنيناً خاصاً به، ربما لا نجده في أشياء أخرى".
(فرانس برس، العربي الجديد).

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك