لم يكن العشاء الرسمي الذي جمع الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونظيره الصيني شي جين بينغ، داخل قاعة الشعب الكبرى في بكين الخميس، مجرد مأدبة بروتوكولية تقليدية، بل عرضاً دبلوماسياً بالغ الدقة، تحوّلت فيه أماكن الجلوس وقائمة الطعام والضيوف المدعوون وحتى الورود والحلويات إلى رسائل سياسية واقتصادية مدروسة بعناية.
وكان ترامب وشي عقدا، الخميس، قمّة استمرت أكثر من ساعتين في بكين، تناولت أبرز ملفات التوتر بين البلدين، وفي مقدمتها تايوان، والحرب على إيران، وأمن الملاحة في مضيق هرمز، إضافة إلى التعاون التجاري وصفقات الطيران والتكنولوجيا.
وجاءت القمة في ظل محاولات متبادلة لاحتواء التوتر بين أكبر قوتين اقتصاديتين في العالم، بعد أشهر من التصعيد التجاري والخلافات الجيوسياسية، فيما عكست تفاصيل العشاء الرسمي والبروتوكول المحيط به حرص الطرفين على إظهار قدر من الاستقرار وعدم التصعيد.
من جلس قرب ترامب وشي على الطاولة الرئيسية؟بحسب التفاصيل التي نشرتها وكالة رويترز، فإن البروتوكول الصيني منح ترامب المقعد الأهم إلى يمين شي جين بينغ على الطاولة الرئيسية، انسجاماً مع قواعد الضيافة الرسمية في الصين التي تنصّ على أن ضيف الشرف يجلس إلى يمين المضيف.
واعتمدت بكين نظاماً دقيقاً لترتيب المقاعد يقوم على القرب من المضيف، مع إعطاء أولوية للمقاعد على الجهة اليمنى من الطاولة.
وضمت الطاولة الرئيسية 12 مقعداً فقط، مقارنة بـ23 مقعداً خلال زيارة ترامب السابقة عام 2017، ما عكس رغبة صينية في جعل العشاء أكثر انتقائية وتركيزاً.
وجلس إلى جانب ترامب السفير الأميركي لدى الصين ديفيد بيرديو، ووزير الخارجية ماركو روبيو، ووزير الخزانة سكوت بيسنت، بينما جلس إلى جانب شي كل من رئيس الوزراء لي تشيانغ، ووزير الخارجية وانغ يي، وكاي تشي الذي يُعد كبير مساعدي شي.
كذلك حضر السفير الصيني لدى واشنطن شيه فنغ، وكان الوحيد بين المسؤولين الصينيين على الطاولة الذي لا ينتمي إلى المكتب السياسي للحزب الشيوعي الصيني.
ولفتت" رويترز" إلى أن بعض الشخصيات كانت هذه المرة على الطاولة الرئيسية بعدما كانت تجلس على طاولات ثانوية في 2017، مثل ماركو روبيو، في مؤشر إلى تغيّر موازين النفوذ داخل الإدارة الأميركية.
وفي المقابل، غابت شخصيات كانت حاضرة بقوة في القمة السابقة، مثل زوجتي الرئيسين.
إذ لم تحضر ميلانيا ترامب أو بينغ لي يوان، فيما كانت لارا ترامب؛ زوجة إريك ترامب، المرأة الوحيدة على الطاولة الرئيسية.
كما كان ستيفن ميلر الشخصية الوحيدة من الدائرة الضيّقة لترامب التي حضرت مأدبتي 2017 و2026 معاً.
طاولات لرجال الأعمال وعمالقة التكنولوجيالكن المشهد الأكثر دلالة ربما كان خارج الطاولة الرئيسية نفسها.
فقد توزّع كبار رجال الأعمال والتكنولوجيا والمال على طاولات جانبية قريبة من الرئيسين، وفق ترتيب بروتوكولي يعكس الأهمية السياسية والاقتصادية لكل شخصية.
وشملت القائمة إيلون ماسك، وتيم كوك، وجنسن هوانغ، ولاري فينك، وديفيد سولومون، وستيفن شوارزمان، ورؤساء شركات" بوينغ" و" فيزا" و" ماستركارد" و" سيتي غروب"، إضافة إلى مسؤولين كبار في شركات صينية، مثل" شاومي" و" وانشيانغ" و" فوياو غلاس".
وجلس ماسك على طاولة ضمت شخصيات من قطاعي التكنولوجيا والصناعة، إلى جانب الرئيس التنفيذي لشركة آبل تيم كوك، والرئيس التنفيذي لشركة إنفيديا جنسن هوانغ، ورئيسة شركة لينس تكنولوجي تشو تشونفي، في إشارة واضحة إلى أن ملف التكنولوجيا المتقدمة لا يزال في قلب العلاقة المعقدة بين واشنطن وبكين.
وفي مشهد لافت على هامش القمة، خطف نجل إيلون ماسك البالغ ست سنوات، الأنظار داخل قاعة الشعب الكبرى، بعدما ظهر مرتدياً سترة مطرزة على طراز أسرة تانغ الصينية ويحمل حقيبة صغيرة على شكل رأس نمر، ما دفع مستخدمين صينيين إلى البحث سريعاً عن نسخ مشابهة من ملابسه على منصة تاوباو.
كما حضر مسؤولون عسكريون وأمنيون على طاولات أخرى، بينهم وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث ووزير الدفاع الصيني دونغ جون.
حتى الطعام لم يكن بعيداً عن هذه الدبلوماسية الرمزية.
فالمأدبة صُمّمت بعناية لتعكس توازناً بين التقاليد الصينية ومحاولة استرضاء الذوق الشخصي لترامب المعروف بحبه للأطعمة الأميركية الكلاسيكية والدسمة.
واعتمد الطهاة على مطبخ" هواييانغ"؛ أحد أشهر المطابخ الصينية وأكثرها قبولاً لدى الضيوف الأجانب، بسبب نكهاته المعتدلة وتقديمه الأنيق.
وبعد المقبّلات، قُدمت أربعة أطباق رئيسية وطبق جانبي.
بدأ العشاء بحساء الكركند بالطماطم، ثم أضلاع اللحم المقرمشة.
كما تضمّنت القائمة بط بكين المشوي الذي يُعد الطبق الصيني الأكثر شهرة عالمياً، ويُقدَّم مع صلصة الصويا والبصل الأخضر والخيار، إلى جانب سلمون مطهو ببطء مع صلصة الخردل وخضراوات موسمية مطهوة.
أما التحلية، فمالت أكثر نحو الطابع الغربي، مع تقديم تيراميسو ومعجنات على شكل أصداف بحرية، إضافة إلى الفواكه والمثلجات.
كذلك شملت القائمة فطائر محشوة بلحم الخنزير ومقلية على الطريقة الصينية.
وذكرت" رويترز" أن هذا المزج بين الحلويات الغربية واللمسات الصينية عكس محاولة لجعل المأدبة أكثر قرباً من الذائقة الأميركية، من دون التخلي عن الهوية الصينية للمناسبة.
ولم تكن هذه أول مرة تراعي فيها بكين ذوق ترامب، ففي زيارته الأولى عام 2017، تضمّنت المائدة حساء بنكهة جوز الهند مع الدجاج، وحساء المأكولات البحرية، ودجاج" كونغ باو"، وشرائح اللحم المطهوة بصلصة الطماطم، وخضراوات مطهوة بمرق فاخر، وشرائح سمك الهامور بزيت الفلفل الحار، في محاولة لتقديم نسخة" صينية" من وجبات ترامب المفضلة.
واستُعيدت خلال الزيارة الحالية أيضاً أجواء القمة الأولى بين ترامب وشي جين بينغ في منتجع مارالاغو في ولاية فلوريدا عام 2017، حين جلس الزعيمان إلى مأدبة ضمّت سلطة" سيزر" مع خبز" فوكاشيا" وجبن" بارميزان ريجيانو"، وسمك" دوفر سول" بصلصة الشمبانيا، أو شرائح لحم نيويورك المعتّقة مع البطاطا والخضراوات المشوية، قبل أن تُقدَّم كعكة الشوكولاتة مع صلصة الفانيليا وثلاثية من المثلجات بنكهات الليمون والتوت والمانغا.
وخلال تناول الحلوى تحديداً، أبلغ ترامب ضيفه الصيني بأنه أمر بتنفيذ ضربة صاروخية ضد سورية رداً على استخدام الأسلحة الكيميائية، في لحظة تحوّلت لاحقاً إلى واحدة من أشهر مشاهد" الدبلوماسية الغذائية" في عهده.
خارج قاعة العشاء، حملت الزيارة طابعاً رمزياً إضافياً.
ففي آخر لقاء بين الرجلين، اصطحب شي نظيره الأميركي في جولة داخل حدائق مجمع تشونغنانهاي الحكومي، حيث أبدى ترامب إعجابه الشديد بالورود الصينية قائلاً إنها" أجمل ورود رآها أي شخص".
ورد شي واعداً بإرسال بذور ورود صينية إلى البيت الأبيض لزراعتها في حديقة الورود الرئاسية، في ما وصفه مراقبون بأنه جزء من" دبلوماسية الحدائق".
ومن جانبه، حاول ترامب مجاراة هذه الأجواء الودية، مشيراً إلى أن عدد المطاعم الصينية في الولايات المتحدة" يفوق عدد أكبر خمس سلاسل للوجبات السريعة الأميركية مجتمعة"، مضيفاً أن" الصينيين يحبّون الآن كرة السلة والجينز الأزرق".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك