«الدوحة الدولي للكتاب».
حالة ثقافيةالثقافة ليست برنامجاً يُقرأ، بل سلوكٌ يُعاش.
وقد أثبت معرض الدوحة الدولي للكتاب في دورته الحالية أنه يفهم هذا الفرق جيداً.
فقبل أن تُفتح أبوابه، خرجت منه حافلةٌ متنقلة جابت المدارس حاملةً الكتب إلى الأطفال في فصولهم.
فكرةٌ بسيطة في تنفيذها، عميقةٌ في دلالتها: الثقافة تذهب إلى الإنسان، ولا تنتظره أن يأتي إليها.
وهذا ما تفعله الدول التي تؤمن حقاً بأن بناء الإنسان يبدأ من الكلمة.
وحين تدخل أروقة المعرض، لا تجد نفسك أمام رفوف كتب صامتة، بل أمام مئات الفعاليات الثقافية وسط أكثر من مليون و850 ألف إصدار.
ثم تجد ساحة «دوحة الطفل» بمسرحها التفاعلي، وأوبريت «فتح الخير» الذي يستحضر الإرث البحري القطري على مسرح المياسة، في أمسية تجمع الفن والهوية والفكر.
هذا ليس معرضاً، بل حالةٌ ثقافية كاملة.
ومما يُسعدني رصده في هذه الدورة الزخم الحقيقي الذي يُبديه الملتقى القطري للمؤلفين؛ إذ شهد تدشين أكثر من 100 إصدار جديد لكتّاب قطريين ومقيمين في شتى صنوف المعرفة، من الأدب والتاريخ إلى القانون والتربية والاقتصاد.
وهذا الرقم ليس رقماً احتفالياً فحسب، بل يعكس أن المشهد الثقافي القطري ينبض بحيوية حقيقية، وأن المؤلف القطري لم يعد ينتظر أن يُكتب عنه، بل بات يكتب هو عن وطنه وعن العالم، إلى جانب ما تشهده أجنحة ودور النشر من توقيعات وجلسات ثقافية متواصلة.
وقد جاءت جائزة معرض الدوحة الدولي للكتاب في نسختها الثانية لتُكمل هذه الصورة، بثمانية محاور تُحفّز الناشر والمؤلف محلياً ودولياً، وبشروط تُرسّخ قيم الجودة والاحتراف والالتزام بالملكية الفكرية.
فالجائزة بهذا الشكل ليست مكافأةً على الإنجاز فحسب، بل هي بنية تحتية تُربّي جيلاً جديداً من صنّاع المعرفة.
ومن ناحية أخرى، ظهر مشروع «هذه قطر» ليُجسّد هذه المعادلة تماماً؛ فهو يروي قصة قطر للعالم بأسلوب يفتخر بالخصوصية ويدعو إلى الحوار في آنٍ واحد.
فالأبواب القطرية التقليدية في غلاف الكتاب ليست مجرد تصميم، بل تجسيدٌ لهوية واثقة من نفسها؛ لا هوية منغلقة خائفة، ولا هوية ذائبة.
وفي عالم تتصارع فيه الروايات وتتزاحم الصور، اختارت دولة قطر أن تروي روايتها بنفسها، فجاء مشروع «هذه قطر» ضيف شرف معرض الدوحة الدولي للكتاب.
هذه الدورة تختلف؛ لأنها جاءت تحمل رسالة واضحة: قطر لا تُعرَّف بالغاز وحده، ولا بالملاعب وحدها، ولا بالمطارات والفنادق.
قطر تُعرَّف بإنسانها الذي يقرأ ويكتب ويبدع ويجسّد تراثه فناً وحياةً.
هذا الإنسان هو المشروع الحقيقي لرؤية قطر الوطنية 2030.
وكتاب «هذه قطر» يحكي عن هذا الإنسان، ويُقدّمه للعالم.
فهل هناك أجمل من دولة تُعرِّف نفسها من خلال كتاب حلَّ ضيفاً على معرض الكتاب.
@maryamhamadi.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك