أحيا الفلسطينيون ذكرى النكبة في 15 أيار/مايو 1948، وسط استمرار العنف والتشريد والقتل ومحاولات إسرائيل استعراض سيطرتها على الحياة والأرض الفلسطينية وتغول المستوطنين ويوم القدس الذي يتحول في كل عام إلى أداة لتأكيد هوية الدولة العنصرية المتطرفة.
وقد تحول ما يعرف بيوم القدس الذي يحيي ذكرى قرار إسرائيل بعد احتلال القدس الشرقية عام 1967 «توحيد» المدينة، إلى مناسبة لترويع سكان القدس الشرقية الفلسطينية وإغلاق محلاتهم التجارية ومنعهم من التجوال في الشوارع خشية أن يتعرضوا للضرب وممتلكاتهم للعبث والتدمير.
ووسط تصرفات الوزير المتطرف إيتمار بن غفير الذي يواصل اقتحاماته للأقصى ويرفع العلم الإسرائيلي في الحرم الشريف ويعلن أنه مالك المكان، تستمر جماعات المستوطنين الممولة من الحكومة والمحمية من الجيش بطرد الفلسطينيين من منازلهم وقراهم في الضفة الغربية، ووصل الأمر لحالة سريالية عندما أمر المستوطنون عائلة فلسطينية نبش قبر واستخراج الرفات لأن مكان القبر في منطقة يمنع توسع المستوطنة.
وهذه جريمة أخرى تضاف إلى الجرائم اليومية التي ترتكب بحق الفلسطينيين.
وأصبح المتطرفون اليهود ورقة رابحة في يد نتنياهو العالق في حروبه الطويلة، حيث علقت الصحيفة اليمينية البريطانية «ديلي تلغراف» (15/5/2026) قائلة إن مسيرة الأعلام السنوية أصبحت أداة بيد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لحماية مستقبله السياسي.
وقالت إن نتنياهو أصبح يعتمد على الصبية الذين يثيرون الشغب في القدس، مضيفة أن عبث المتطرفين لم يسلم منه أي شيء، حتى دكان التحف الذي يبيع المقتنيات والتذكارات اليهودية.
إلا أن هذا لم يمنع 30 مراهقا متطرفا من تهشيم كل ما بداخله تاركين المحل مجرد موقع تفجير وصاحبه وهو يرتجف من الخوف والغضب.
وقالت إن هؤلاء المراهقين جاءوا للاحتفال بيوم القدس إلا أن المناسبة قدمت سنة بعد سنة عذرا لهم وغيرهم لارتكاب العنف في الأحياء الفلسطينية.
وراقبت الصحيفة مجموعات من الصبية الذين تتراوح أعمارهم ما بين 10-11 عاما وهم يتحرشون ويدفعون بعنف كبارا في العمر يكبرونهم بخمسة أضعاف عمرهم.
وأظهرت لقطات فيديو لحادثة منفصلة، نشرت على الإنترنت، مجموعة كبيرة من الصبية يهتفون وهم يسيرون في أحد الشوارع قبل أن يقوموا بدفع صاحب متجر ورمي الكراسي عليه.
ونقلت الصحيفة عن كاتي بار، مؤسسة مجموعة «أمهات ضد العنف» قولها: «من المرعب كيف أصبحوا صغارا جدا.
وكان بعضهم يهتفون في وجهي: أنتِ عاهرة عربية».
وكيف أنها صفعت أحدهم وقالت لهم إنها تخشى منهم أكثر من العرب.
وتقول الصحيفة أنه في الوقت الذي تستعد فيه إسرائيل للانتخابات البرلمانية يخشى الكثيرون ان يكون التعصب الذي كشر عن أنيابه في شوارع القدس القديمة يوم الخميس المستقبل الذي يطبع صورة إسرائيل.
ورغم أن الطائفة المتدينة ذات النزعة القومية المتطرفة، التي ينتمي إليها مثيرو الشغب، أقلية في إسرائيل، لكنها أقلية تتمتع بالفعل بنفوذ كبير، بفضل النظام الانتخابي الإسرائيلي، الذي يسمح للأحزاب المتطرفة بتشكيل أو إسقاط الحكومات الائتلافية.
ووسط الهتافات المعادية للفلسطينيين، أعلن عن الطلقة الأولى في الانتخابات الإسرائيلية التي يواجه فيها نتنياهو زعيمي معارضة وعدا توفير الأمن بدون نتنياهو، فرد حزب الليكود وأنصار الحكومة المتطرفة بالقول أنهما لن يفوزا في الانتخابات بدون دعم الأحزاب العربية.
وتقدم المسيرة التي تزداد عنفا عاما بعد عام وتطلق فيها الشعارات المهينة مثل «محمد مات» و «لليهودي روح أما الفلسطيني فهو ابن عاهرة» إلى جانب استحضار التاريخ ووصف الفلسطينيين بالعماليق، صورة عن التطرف الذي وصلت إليه إسرائيل واعتقاد قادتها بأن الأمن لا يتم بدون استعراض القوة، سواء بدون أي اهتمام بسمعة إسرائيل المتهمة بالإبادة في الخارج.
ففي الوقت الذي تحاول فيه حكومة نتنياهو استخدام المناسبات الفنية والرياضية كأداة للقوة الناعمة، تحاول هي وداعومها في الغرب إسكات أي صوت يفتح ملف انتهاكاتها للفلسطينيين.
وأشارت صحيفة «نيويورك تايمز» (11/5/2026) في تحقيق لها إلى أن إسرائيل بذلت جهودا دبلوماسية لإقناع الدول دعم بقائها في مسابقة الأغنية الأوروبية «يوروفيجين» وأن مكتب نتنياهو خصص أموالا لدعم مشاركة إسرائيل، وكشفت الصحيفة أن الحكومة الإسرائيلية رأت في المسابقة أبعد من كونها سباقا مبهرجا للأغنية الأوروبية يشاهدها 160 مليون شخص في العالم، بل كمحاولة لتحسين صورتها، وسط اتهامات بارتكاب الإبادة في غزة واعترافات متواصلة من دول حليفة بالدولة الفلسطينية.
وكشفت الصحيفة ان محاولات إسرائيل واعتراضات دول على مشاركتها أدت لمقاطعات وانقسامات داخل هيئات البث الأوروبية التي تشرف وتشارك على المسابقة.
كما وكشف التحقيق عن محاولات للتأثير على عملية التصويت ووضع المتسابق الإسرائيلي في المقدمة، حتى ولو لم يفز.
والمفارقة أن محاولات تحسين الصورة من خلال الأغنية تنناقض مع تلك المحاولات لإسكات كل من يحاول الكشف عن حقيقة العنف الذي تمارسه إسرائيل على حياة الفلسطينيين.
فقد انتفضت حكومة نتنياهو ضد تحقيق قدم فيه الصحافي الأمريكي المعروف نيكولاس كريستوف شهادات 14 فلسطينيا تحدثوا عن تعرضهم للعنف الجنسي والجسدي على يد سجانيهم.
وقالت إسرائيل إنها ستقاضي الصحيفة على مقالها المنشور بعنوان «الصمت الذي يواجه الاغتصاب» (11/5/2026).
ولم يأت كريستوف بجديد، فقضية اغتصاب الأسرى وتعذيبهم جنسيا ليست جديدة وزادت بعد هجمات 7 تشرين الأول/أكتوبر، ووثقتها منظمات حقوق الإنسان الفلسطينية والإسرائيلية والدولية، لكن إسرائيل انتفضت غضبا من المقال ودعا أنصارها في أمريكا لإغلاق الصحيفة الأمريكية، وقالوا إن مجرد الحديث عن انتهاكات هي «فرية الدم» المعروفة.
وهي محاولة لإسكات كل من يحاول انتقاد إسرائيل أو اتهامها بانتهاك السجناء ونزع الشرعية عن كل اتهام، كما قالت يولي نوفاك، مديرة منظمة بتسليم الإسرائيلية بمقال نشرته صحيفة «الغارديان» (14/5/2026)، وأضافت أن التهديد بالدعوى ضد الصحيفة الأمريكية هو مجرد رفع الكلفة على كل من يحاول الحديث علنا ضد إسرائيل.
وهي محاولة لإسكات الجميع وتأكيد الحقائق التي تريدها حكومة نتنياهو عن الفلسطينيين.
وأضافت نوفاك أن أكثر ما يثير الصدمة في أحدث التقارير عن التعذيب الجنسي للفلسطينيين في الحجز الإسرائيلي ليس فقط فظاعتها، بل استمرار ترسيخ آليات الانتهاك والإنكار رغم وضوح الأدلة لفترة طويلة.
مشيرة ان ما قدمه كريستوف لم يكن سوى لفت النظر إلى أمر موجود ومكرس.
وأشارت نوفاك إلى أنه تم الإبلاغ عن الانتهاكات في الحجز الإسرائيلي من قبل معتقلين سابقين ومحامين وأطباء وصحافيين، ووثقتها منظمات حقوق الإنسان.
ومنذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، كشفت هذه الأدلة عن حقيقة مروعة: تحول نظام السجون الإسرائيلي إلى شبكة إجرامية من معسكرات التعذيب.
وعلقت أن التعذيب الجنسي هو صورة أخرى عن عمليات إسرائيل التحكم بحياة الفلسطينيين.
وأشارت إلى أن محاولة قتل شخصية كريستوف ليست إلا جزءا من عمليات ملاحقات من يوثقون لجرائم إسرائيل، من قتل الصحافيين والأطباء وناشطي حقوق الإنسان.
وأضافت أن تبرئة الجنود الذين انتهكوا عرض سجين في معتقل سديه تيمان، يؤكد على أن النظام مصمم للإفلات من العقاب، بما يعنيه من حماية نفسه ومرتكبي الجرائم.
وقالت إن الأدلة المجموعة ومنذ هجمات 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 كشفت عن حقيقة مروعة وهي تحول نظام السجون الإسرائيلي إلى شبكة إجرامية من معسكرات التعذيب.
والفضل في كل هذا يعود كما تقول صحيفة «هآرتس» (15/5/2026) إلى شيء اسمه بن غفير، فمنذ تسلمه منصب وزير الأمن القومي، شدد الظروف الاعتقالية على المعتقلين الفلسطينيين وحولها لظروف غير إنسانية.
ومات أكثر من 80 معتقلا فلسطينيا في أثناء سجنهم بالتعذيب والتجويع والأمراض.
ومن نجوا من هذا النظام بدوا كظلال بشر.
وتساءلت الصحيفة عن اتهامات «فرية الدم» بشأن كريستوف وصحيفة «نيويورك تايمز»، وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا لا تسمح إسرائيل لمندوبي الصليب الأحمر بزيارة معسكرات الاعتقال.
وإذا كانت شروط الاعتقال التي يحتجز فيها الآن آلاف المعتقلين مقبولة وملتزمة بالقانون الدولي، فلماذا لا تسمح بالزيارات وتثبت للعالم عكس ما جاء في التقرير.
وكل ما فعلته إسرائيل هو تعزيز الصورة عن شرها تجاه المعتقلين الفلسطينيين.
كما ظهر في شريط فيديو لبن غفير وهو يهدد القيادي الفلسطيني، مروان برغوثي.
ولم يعد الأمر يتعلق بالأدلة أو محاولة محوها، بل في استعداد العالم لتقديم الحماية للفلسطينيين، فقد وقف متفرجا على إبادة غزة وها هو يتفرج على قمع الفلسطينيين وطردهم من منازلهم ودفعهم للخروج وتحقيق الظروف لظهور المخلص اليهودي، كما لاحظ بيتر اوبورن في تقرير له نشره موقع «ميدل إيست آي» (15/5/2026) ورصد أثناء رحلة له من رام الله إلى نابلس عنف المستوطنين المسلحين والمدعومين من وزير المالية، بتسلئيل سموتريتش الذي يشرف على التغيرات في واقع الضفة باسم منع قيام الدولة الفلسطينية وإنهاء اتفاقية أوسلو.
وفي «طريق الحرامية» كما كان يعرف أثناء الدولة العثمانية كان اللصوص يتربصون للمسافرين للسطو على أمتعتهم.
انتشر المستوطنون الذين يطلق عليهم الحرامية الجدد ويحاولون إثبات حضورهم في كل مكان من الضفة، فإلى جانب الأعلام المزروعة على طرف الطرق هناك صورة الحاخام مناحيم مندل شنيرسون الذي توفي قبل ثلاثين عاما، لكن أتباعه من المستوطنين يلصقون صورته عند القرى الفلسطينية ومفترق الطرق.
ويعتقد أتباع الحاخام أن قدوم المخلص بات وشيكا.
وتظهر في الطريق مجموعات المستوطنين المسلحين وكرافانات تظهر بشكل مستمر كإشارة لبؤر استيطانية، تأكل الأرض الفلسطينية وتحاول خنق حياة الناس.
ونقل أوبورن ما قاله أحد ركاب الحافلة: «المستوطنون يسيطرون» و«هم يحكمون الضفة الغربية الآن وينفذ الجيش أوامرهم»، وأضاف: «كان الوضع أفضل عندما كان الجيش هو المسيطر، كانوا وحشيين، لكن كانت لديهم قوانين، وكانوا أكثر قابلية للتنبؤ».
واليوم، يتمتع المستوطنون بإفلات شبه تام من القانون، ويمكنهم الاعتماد على الدعم العسكري إذا قاوم الفلسطينيون.
ينزلون من التلال ويفعلون ما يحلو لهم: يحرقون، ينهبون، يسرقون ويقتلون.
وأصبح الفلسطينيون هدفا لبرنامج وحشي من التطهير العرقي المنظم.
بالإضافة إلى ذلك، أفادت منظمة بتسيلم أن الجيش الإسرائيلي أجبر أكثر من 32.
000 فلسطيني على النزوح من منازلهم في مخيمات اللاجئين، مع تدمير العديد من المنازل عمدا.
ووفقا للأمم المتحدة، قتل أكثر من 1.
000 فلسطيني، بينهم 200 طفل، على يد إسرائيل خلال هذه الفترة.
وقد زار تامير باردو، المدير السابق للموساد، الضفة الغربية الشهر الماضي، وعلق بعد زيارته قائلا: «كانت والدتي من الناجيات من الهولوكوست، وما رأيته ذكرني بالأحداث التي وقعت ضد اليهود في القرن الماضي».
وأضاف: «ما رأيته اليوم جعلني أشعر بالخجل لكوني يهوديا».
ويقول أوبورن إن الموجة الجديدة من هجمات المستوطنين الشرسة، ربما غذتها جزئيا رغبة في الانتقام بعد هجمات حماس، فإن التفسير الأساسي يكمن في الاتفاق السياسي الذي أبرمه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مع أحزاب دينية يمينية متطرفة في أواخر عام 2022.
فبعد فشله في الحصول على أغلبية في الكنيست، دخل نتنياهو في ائتلاف مع حزب القوة اليهودية بزعامة بن غفير وحزب الصهيونية الدينية بزعامة سموتريتش.
وفي مقابل الحصول على دعمهم، عين نتنياهو سموتريتش وزيرا للمالية ومنحه السيطرة على الضفة الغربية.
وبينما يمول سموتريتش مشروع الاستيطان، يقوم شريكه في الائتلاف (وشريكه السياسي) بن غفير بتسليحه.
ففي كانون الثاني/يناير، وافق على تراخيص حمل السلاح الشخصي في 18 مستوطنة غير شرعية «لتعزيز الدفاع عن النفس وزيادة الأمن الشخصي».
ويتمتع المستوطنون، الذين يعيشون جميعهم بشكل غير قانوني في الضفة الغربية، بسهولة الوصول إلى أسلحة تتراوح بين بنادق هجومية من طراز أم 16 ومسدسات وطائرات مسيرة.
وليس من المستغرب أن تسجل الأمم المتحدة ما يقرب من 2.
000 هجوم من قبل المستوطنين – أي حوالي خمس هجمات يوميا- في عام 2025.
وعلى مدى السنوات الثلاث الماضية، أصبحت الضفة الغربية مكانا خارجا عن القانون ومرعبا، وحتى وسائل الإعلام الأجنبية أصبحت هدفاً مشروعاً للمستوطنين، كما يتضح من الاعتداء الذي وقع في تموز/يوليو الماضي على طاقم تلفزيوني ألماني، واحتجاز صحافيي شبكة «سي إن إن» في آذار/مارس.
وليس لدى الفلسطينيين أي وسيلة للرد، لكنهم صامدون كما يقول أوبورن، حيث زار أوبورن بلدة برقة ولاحظ كيف أن الناس يتجمعون لمنع المستوطنين من دخولها.
وشاهد تمثالا لحنظلة أو بقايا منه بعد قيام الجنود الإسرائيليين بتدميره ولكنهم لم يستطيعوا إزاحة قدميه المنغرستين بالأرض.
وبالمحصلة تمضي إسرائيل في مخططاتها للسيطرة على فلسطين واقتلاع سكانها وتأكيد الوضع القائم في غزة ولبنان وسوريا التي قضم الجيش الإسرائيلي أراض منها.
وفي غزة، ذكرت صحف عبرية أن المفوض السامي الجديد لغزة، نيقولاي ملادينوف أخبر نتنياهو وقادة إسرائيليين بأن حماس لن تنزع سلاحها بنفسها، والمح أن على إسرائيل أن تعمل شيئا، فقامت بغارة أعلنت فيها استهداف قائد الجناح العسكري لحماس، عز الدين الحداد.
لكن إسرائيل، حسب صحيفة إسرائيلية أخرى لم تسمع ما قالته أم أسامة زوجة القيادي في حماس، خليل الحية التي قتلت إسرائيل أربعة من أبنائه، وفي النهاية تقول الصحيفة أن غزة باقية ولن تذهب إلى أي مكان وستظل إسرائيل عالقة فيها طالما ظلت تحمل السيف مسلطا على أهلها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك