الناصرة ـ «القدس العربي»: بدلاً من فرض الواقع الاستراتيجي وصناعة ردع يمنع التهديد المقبل، يبدو كأن دولة إسرائيل تُجَرّ مرة أُخرى إلى إدارة صراع تكتيكي وموضعي يُفقدها القدرة على حسم المعركة.
هذا ما تقوله وزيرة القضاء في حكومة الاحتلال السابقة أييلت شاكيد، ضمن مقال نشرته صحيفة «يديعوت أحرونوت» منوهة أن كلّ يوم، وأحياناً مرات عديدة في اليوم، يرسل حزب الله طائرات مسيّرة انتحارية بهدف قتل جنود الجيش الإسرائيلي، وهذا كله خلال «وقف إطلاق النار».
وتستذكر أنه في الأيام القليلة السابقة وحدها، قُتل جندي الاحتياط ألكسندر غلوبنيوب وأُصيب عدة أشخاص بجروح خطِرة، واكتفى رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو باجتماع طوارئ يتعلق بهذا الموضوع، وكذلك فعل رئيس هيئة الأركان.
وترى شاكيد أن الطائرة المسيّرة تمثّل تهديداً تكتيكياً يؤذي جنود الاحتلال؛ لذلك، من المؤكد أنه يجب إيجاد حلّ دفاعي لها، لكن هذا لا يبرر دخول أمة كاملة في حالة دفاع نفسي.
وتتابع: «أنا لا أقول إنه لا يجب إيجاد حلول للحماية، فالدفاع عنصر ضروري، لكن حالة الاستعجال والذعر التي ترافق كلّ تطوير تكنولوجي لدى العدو تدلّ على فقدان للاتزان، والأهم من ذلك، أنها تساهم في طمس المشكلة الأعمق وتجاهُلها.
منذ أعوام عديدة، تدرك إسرائيل خطر الطائرات المسيّرة، منذ الحرب الروسية الأوكرانية، وحتى قبل ذلك، عندما كنت عضواً في المجلس الوزاري المصغر في سنة 2018، برئاسة نتنياهو، عقدنا نقاشاً في هذا الشأن، وكان بدء التنظيمات الإرهابية المحيطة بنا باستخدام هذه الوسائل مجرد مسألة وقت: فالجميع كان يعلم ذلك، وتحدث عنه».
وتمضي شاكيد في انتقاداتها بالقول إنه «مرة أُخرى مثلما جرى في مرات سابقة، لم يفعلوا شيئاً، بل جلسوا وانتظروا، ربما لأنهم كانوا منشغلين بأمور أُخرى؛ جلسوا وانتظروا حتى بدأت هذه المسيّرات تنفجر فوق رؤوس جنودنا».
وتقول أيضا إن السباق المذعور لإيجاد حل لخطر المسيّرات – وهو خطر يتطلب فعلاً استجابات لأنه يكلّف أرواحاً بشرية، لكنه تهديد تكتيكي في جوهره – لن يساعد، ولن يحلّ المشكلة الأعمق، التي تحتاج إلى تخطيط استراتيجي طويل الأمد.
وتضيف في هذا المضمار: «نحن نعيش في ظلّ مطاردة دفاعية لا تنتهي، وسنبقى دائماً متأخرين خطوة واحدة، نستثمر موارد هائلة في التحصين السلبي، بدلاً من تغيير قواعد اللعبة من أساسها.
المشكلة الأعمق هي السياسة نفسها: فبعد المسيّرات ذات الألياف البصرية، سيأتي تهديد آخر، وبعده تهديد جديد؛ وإذا واصلنا التركيز فقط على الحلّ الدفاعي التالي، ففي نهاية المطاف، سنجد أنفسنا نعيش جميعاً داخل ملجأ نووي؛ عندما بدأت صواريخ القسّام تُطلق من غزة، طوّرنا القبة الحديدية واعتقدنا أننا وجدنا الحل، وأن الهدوء سيعود، ثم جاء السابع من أكتوبر؛ نحن عالقون في سباق دفاعي لا ينتهي، نكون فيه دائماً متأخرين خطوةً، ونستنزف موارد هائلة في الحماية السلبية، بدلاً من تغيير المعادلة جذرياً».
وضمن مقترحاتها ترى أنه أولاً وقبل كل شيء، يجب أن يكون الحل الحقيقي حلاً ردعياً؛ يجب أن يكون الرد على أيّ محاولة استهداف، صغيرة كانت أم كبيرة، بسيطاً وحاسماً: و«في مقابل كلّ طائرة مسيّرة تُطلق نحونا، يجب أن يكون الثمن إسقاط مبنى في الضاحية الجنوبية لبيروت، فوراً، من دون تردّد، أو تأجيل؛ فقط فرض ثمن استراتيجي باهظ على كل عمل تكتيكي سيجعل الطرف الآخر يفهم أن المعادلة تغيّرت، وأن الهجوم لم يعُد مجدياً».
وفي هذا السياق، تقول إنه من المهم إن قيام عناصر حزب الله بقتل جنود الاحتلال – وفي ظل «وقف إطلاق النار»- بينما تقيّد القيادة السياسية أيدي الجيش الإسرائيلي، هو أمر غير مقبول إطلاقاً.
وبرأيها تقع المسؤولية الكاملة عن ذلك على عاتق رئيس الوزراء الذي سمح ويواصل السماح بهذا الواقع، وتقول إن هذا الجمود الدفاعي هو نتيجة مباشرة لقيادة لم تتعلم شيئاً.
شاكيد التي تتطلع للعودة للسياسة والمشاركة في الانتخابات العامة بعد شهور تخلص للقول «هذا ما يحدث عندما يقوم الجيش بالتحقيق مع نفسه بعد السابع من أكتوبر، بينما تنشغل الحكومة بالتهرب من المسؤولية وإحباط أي إمكان لتحقيق خارجي.
وهكذا، بدلاً من قيادة نهج هجومي يبادر ويفرض الواقع، نجد أنفسنا عالقين داخل النظرية الفاشلة نفسها التي ثبت فشلها، المرة تلو الأُخرى.
لقد حان الوقت لوقف هذا السباق الدفاعي المُنهك وإعادة الحرب إلى أرض العدو».
في سياق متصل يرى تقرير المركز الفلسطيني للشؤون الإسرائيلية «مدار» أن الأسلحة الرخيصة وغير المتناظرة غيّرت طبيعة المواجهة بين الجيوش النظامية والتنظيمات المسلحة خلال العقدين الأخيرين.
ويستذكر أنه في العراق وأفغانستان فرضت العبوات الناسفة على الجيش الأمريكي إعادة التفكير في الحركة، والحماية والإمداد والدوريات، حيث ضربت إيقاع الجيش نفسه وأجبرته على تحصين المركبات وتغيير المسارات وتطوير مجسات وروبوتات ومنظومات كشف.
وفي قطاع غزة، أدت الأنفاق وظيفة مشابهة عندما حوّلت الأرض إلى ساحة قتال مخفية وفرضت على الجيش الإسرائيلي حربًا بطيئة ومكلفة، في جنوب لبنان، تؤدي المسيّرات الانقضاضية، وخصوصًا مسيّرات الرؤية وظيفة قتالية مشابهة في الفترة الحاليّة: سلاح منخفض الكلفة يضغط على الجيش الإسرائيلي، ويختبر قدرته على التكيّف مع نمط حرب يتطور بسرعة تفوق وتيرة تحديث منظوماته الدفاعية.
وينبه إلى أن إسرائيل لم تعلن حتى الآن مجمل خسائرها الناتجة عن هذه المسيّرات، ما يجعل تقدير أثرها العملياتي الكامل غير محسوم.
ويشير التقرير أن هناك عدة أفكار إسرائيلية لمواجهة المسيرات لكن دون جدوى حتى الآن.
يشار أن المسيرات تلحق أضرارا نفسية واقتصادية كبيرة من أوجهها شل الحياة في الشريط الحدودي الممتد من رأس الناقورة إلى جبل الشيخ ما يدفع لانتقادات واحتجاجات واسعة لدى الإسرائيليين في شمال البلاد لاسيما أن وقف إطلاق النار ما زال حتى الآن على الورق رغم تمديده بشهر ونضف الشهر.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك