الخرطوم 16 مايو 2026 (شينخوا) على ضفاف النيل في العاصمة السودانية الخرطوم، عاد الصياد عبد الله علي إلى قاربه الخشبي الصغير، يرمم شباكه القديمة ويستأنف مهنة ورثها عن والده، بعد أشهر طويلة من التوقف بسبب الحرب التي عطلت الحياة وأبعدت الصيادين عن النهر.
ويقول عبد الله، وهو في منتصف الأربعينيات، إن النيل لم يكن مجرد مصدر رزق لأسرته، بل جزء من حياتهم وذاكرتهم، مضيفا أن العودة إلى الصيد بعد توقف طويل منحته شعورا باستعادة جزء من حياته التي فقدها خلال سنوات الحرب.
وكانت الحرب التي اندلعت في السودان قد أدت إلى توقف الحياة في أجزاء واسعة من الخرطوم، واختفاء القوارب من المرافئ الشعبية، وإغلاق العديد من الأسواق، ما اضطر عبد الله وغيره من الصيادين إلى ترك مهنتهم والعمل في مهن أخرى لتأمين احتياجات أسرهم.
ومع عودة الحياة تدريجيا إلى بعض أحياء العاصمة، عاد الصيادون إلى النيل، وأمضى عبد الله أياما في إصلاح قاربه المتآكل وشباكه الممزقة، بمساعدة زملائه الذين عادوا بدورهم إلى المهنة بعد شهور من النزوح والتوقف.
ويبدأ عبد الله يومه قبل شروق الشمس، متوجها إلى المرسى حيث يدفع مع صيادين آخرين قواربهم الصغيرة إلى المياه، متنقلا بين مواقع الصيد التي يعرفها منذ سنوات، معتمدا على خبرته في قراءة حركة التيارات واتجاه الرياح.
ورغم المشقة، لا يزال الصيد يوفر له ولعشرات الأسر مصدر دخل أساسيا، خاصة في ظل الارتفاع الكبير في أسعار اللحوم والدواجن، فيما يرى أن عودة القوارب إلى النيل تمثل مؤشرا على أن الخرطوم تحاول الوقوف من جديد.
وفي سوق الموردة للأسماك بمدينة أم درمان، بدأت ملامح الحياة تعود تدريجيا، حيث امتلأت الطاولات مجددا بأنواع مختلفة من الأسماك، وعاد الباعة والزبائن إلى السوق الذي ظل لفترة طويلة شبه خال بسبب الحرب.
ويقول عباس محمد إدريس، وهو تاجر أسماك أمضى معظم حياته في هذه المهنة، إن السوق كان من أكثر الأماكن حركة في أم درمان قبل أن تتوقف الأنشطة التجارية بسبب الحرب، مشيرا إلى أن العودة التدريجية للنشاط أعادت شيئا من الأمل للعاملين في القطاع.
وأوضح أن تجارة الأسماك أصبحت ملاذا لكثير من الأسر التي لم تعد قادرة على شراء اللحوم الحمراء، لافتا إلى أن سعر سمك البلطي، وهو الأكثر طلبا، يبلغ نحو 8 آلاف جنيه، فيما يصل سعر سمك البياض إلى نحو 15 ألف جنيه، بينما يبلغ سعر سمك العجل نحو 20 ألف جنيه، رغم بقائه أقل تكلفة من اللحوم الحمراء، ويبلغ سعر الدولار الواحد مقابل الجنيه 3300 جنيه وفقا للسعر الرسمي، و4200 في السوق الموازي.
وأشار إلى أن العمل لا يزال يواجه تحديات، من بينها عدم استقرار الكهرباء، وصعوبة حفظ الأسماك، إلى جانب مشكلات النقل الناتجة عن تدهور الطرق وارتفاع تكاليف الوقود.
من جانبه، قال المواطن محمد علي نور إن عودة سوق الموردة للعمل مجددا تمنح السكان شعورا بأن المدينة بدأت تستعيد عافيتها تدريجيا، مضيفا أن السوق يمثل أحد المعالم الشعبية المرتبطة بالحياة اليومية لسكان أم درمان منذ سنوات طويلة.
وشهدت الخرطوم على مدى نحو عامين مواجهات دامية بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، ما أدى إلى دمار واسع في البنية التحتية وتعطل الخدمات وشلل شبه كامل في الحركة التجارية والاقتصادية، بما في ذلك الأسواق الشعبية والمرافئ النهرية المرتبطة بمهنة صيد الأسماك.
ومنذ مايو 2025، تمكن الجيش السوداني من إنهاء وجود قوات الدعم السريع داخل الخرطوم، الأمر الذي مهد لعودة تدريجية للسكان والأنشطة التجارية والخدمية، قبل أن تعود الحكومة المركزية رسميا إلى المدينة في يناير 2026.
ويرى الخبير السوداني في الشؤون الاقتصادية والاجتماعية الدكتور مأمون الطيب أن عودة النشاط إلى قطاع صيد الأسماك والأسواق المرتبطة به تعكس قدرة المجتمع السوداني على التكيف مع آثار الحرب واستعادة تفاصيل الحياة اليومية.
وأضاف أن المهن التقليدية المرتبطة بالنيل، مثل الصيد والنقل النهري والتجارة الشعبية، لعبت تاريخيا دورا مهما في دعم الاقتصاد المحلي وتوفير الغذاء، محذرا في الوقت نفسه من أن استمرار هذا التعافي يظل مرتبطا بتحسن الأوضاع الأمنية واستقرار الخدمات الأساسية، خاصة الكهرباء والوقود ووسائل النقل، إلى جانب دعم صغار الصيادين والتجار الذين تضرروا بشدة خلال الحرب.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك