حين سأل طفلٌ ستيفن هوكينغفي مناسبة عائلية عمّا يحدث لو سقط إنسان في ثقب أسود، كانت الإجابة بداية مشروع سردي كامل.
هكذا وُلدت سلسلة" جورج" التي كتبتها لوسي هوكينغ بمشاركة والدها، بوصفها محاولة لتحويل السؤال العلمي إلى حكاية قابلة للعيش.
في هذه المسافة بين السؤال والخيال، يظهر وجه آخر للعلم، أقرب إلى التجربة منه إلى التلقين.
تنقسم السلسلة (دار آفاق، القاهرة، ترجمة أحمد سمير سعد، 2024 - 2026) إلى سبعة أجزاء: من" جورج ومفتاحه السري للكون"، إلى" جورج وسفينة الزمن"، ثم كتابها الختامي" كشف أسرار الكون"، بين مغامرة سردية ومقالات علمية كتبها باحثون متخصصون، في محاولة لربط الخيال بالمعرفة الموثقة.
غير أن القيمة الأبرز في هذا المشروع تتجاوز تبسيط الفيزياء أو شرح الكونيات؛ لتمتد إلى طرح سؤال أخلاقي يتكرر عبر الأجزاء: ماذا يحدث حين تخرج المعرفة من المختبر إلى العالم؟ ومن يتحمّل نتائجها؟كتب ميخائيل كلاشنكوف، في أواخر حياته، رسالة إلى كاهن روسي يسأله فيها عن مسؤوليته الأخلاقية عن الضحايا الذين سقطوا ببندقيته.
لم يكن السؤال تقنياً، إنما أربكته النتائج التي ترتبت على اختراعه.
هذا القلق نفسه، بصيغة مبسطة، يتردد داخل سلسلة" جورج"؛ حين تظهر التكنولوجيا في هذه الأعمال بطاقتها وقدرتها المفتوحة اللا نهائية.
الجهاز الذي يسمح لجورج وآني بالسفر عبر الفضاء، واستكشاف الكواكب، يمكن أن يتحول إلى أداة تهديد إذا وقع في يد تسعى إلى السيطرة.
رؤية من دون إدانة مباشرة للتكنولوجيا ولا تمجيد لهافي أحد المشاهد، يتجادل الأبطال حول كيفية التعامل مع خطر وشيك.
ترى آني أن البقاء مع مجتمعها هو الخيار الأكثر أماناً، بينما يدرك جورج أن الانتظار قد يمنح الطرف الآخر فرصة للسيطرة.
في هذا التوتر، لا ينحاز النص، بتجلياته الدرامية وشخصياته ومعلوماته، إلى إجابة جاهزة، وبدلاً من ذلك يصدم القارئ بمفارقة أن كل قرار يحمل كلفة، وكل استخدام للتقنية يفتح باباً لنتائج غير متوقعة.
وتُبنى هذه الرؤية من دون إدانة مباشرة للتكنولوجيا، ولا تمجيد لها.
فتظهر المعرفة بوصفها قوة قابلة للتوجيه، وتتحدد آثارها وفق السياق البشري الذي تُستخدم فيه.
هذا التوازن يمنح النص طابعاً تربوياً غير مباشر، يدرّب القارئ على التفكير بدل الاكتفاء بالتلقي.
تغادر الحكاية مدارات الفضاء السحيق لتستقرّ في تفاصيل العيش اليومي، حيث يتنفس العلم هواء الشوارع ويشتبك مع همومنا العادية، فنجد في والدَي جورج، عبر انحيازهما الصارم إلى الحياة النباتية واحتجاجاتهما المستمرة من أجل البيئة، صوتاً نقدياً يواجه أنماط الاستهلاك المعاصرة وقسوتها تجاه الطبيعة، ومع ذلك يترك النص هذه الرؤية في فضاء حواري رحب يتّسع لتعدّد القناعات، مبتعداً عن نبرة اليقين الواحد التي تُصادر حقّ القارئ في التفكير والمقارنة.
يرتبط هذا الوعي البيئي بمساهمات رصينة لباحثين يطرحون أسئلة شجاعة حول مائدتنا، إذ يشير ماركو سبرينغمان إلى ضرورة إعادة النظر في اعتمادنا المفرط على اللحوم والألبان، نظراً إلى ما تتركه من ندوب عميقة في جسد الأرض وصحة الإنسان، فيتجلى الاقتراح بالتحول نحو الحبوب والبقول والخضراوات استجابةً علميةً ضرورية لمعطيات التغير المناخي، ويتجاوز فكرة الوعظ الأخلاقي ليصبح ضرورة وجودية تفرضها لغة الأرقام والواقع.
تأتي رؤية أندي تايلور لتعيد تعريف القوة في الفضاء السياسي، فهي ليست أداة للهيمنة، وإنما إمكانية لتوجيه المجتمعات نحو تغييرات كبرى تحمي الكوكب وتتبنى تقنيات نظيفة، مع التأكيد أن بريق الفكرة وصحتها لا يكفيان وحدهما، فالتغيير يحتاج إلى مهارة الإقناع وبناء جسور المشترك مع الآخرين؛ هكذا تخرج المعرفة من عزلة المختبر لتلتقي الفعلَ الاجتماعيَّ في المجال العام، وتصبح شريكة أصيلة في صياغة مصيرنا المشترك.
كيف يمكن أن نعدّ الناشئة لمواجهة فكرة الخراب المحتمل، أو تلك الديستوبيا التي تطل برأسها في الجزء الخامس من السلسلة؟ نجد أنفسنا مع جورج وآني في مواجهة عالم اصطناعي، حيث المقاتلون ليسوا كائنات حية، إنهم آلات تتقاتل لتسلية الحشود في" عدن".
وقد نلاحظ هنا شجاعة النص في طرح احتمالات المستقبل المظلم، حيث تحاول آني التمسك بشعبها وحمايتهم، في حين يدرك جورج أن الصمت هو الخيار الأخطر.
ويخاطب النص جورج والقارئ بلهجة تحمل عبء المسؤولية: " هذا عالمك الآن، وسوف يكون على الصورة التي تقرّرها، أيّاً ما كانت".
هذه الجملة هي مفتاح العمل كلّه، فهي تنفي فكرة القدرية التقنية، وتؤكد أن الإنسان سيد مصيره، وأن العلم وسيلة للنجاة أو الدمار بناءً على قراراتنا الشخصية والجماعية.
إنها دعوة إلى المقاومة، مقاومة الآلات التي قد تستلب إنسانيتنا، ومقاومة البشر الذين قد يتخلون عن دورهم في حماية النور وسط عتمة العلم الزائف القادمة.
رائحة الكبريت تنبعث من ثنايا الورقيفتقد الجيل المعاصر تجارب المعايشة التي تجعل العلم حقيقة ملموسة، وهو ما تحاول السلسلة تعويضه من خلال إعمال الخيال في أرقى صوره.
تخيل أنك تزور بركاناً ثائراً، تشعر باهتزاز الأرض تحت قدميك، وتسمع صرير الغازات المنبعثة من باطنها، بينما تلسع الأبخرة الحامضية عينيك وتترك في جلدك رائحة الكبريت التي تشبه البيض الفاسد.
هذا الوصف الحسي الدقيق، الذي يحيلنا إلى ثورة جبل إتنا في عام 2006، يحول المعلومة الجيولوجية إلى ذكرى شخصية، ويجعل القارئ جزءاً من الحدث الكوني، لا مجرد مراقب من بعيد.
يخرج بالمعرفة من عزلة المختبر لتلتقي الفعل الاجتماعيهكذا تتحول المواد الدراسية في هذه الكتب إلى مغامرة كبرى تفسر لنا كيف نحيا وكيف نتفاعل مع الطبيعة، تفتح العيون على حقيقة أننا ذرات صغيرة في هذا النسيج العظيم.
ويأتي الجزء السابع" كشف أسرار الكون" ليكون" دليل المستخدم إلى الكون"، جامعاً مقالات علمية لخبراء عالميين، يتحدثون عن الثقوب السوداء، وعلم الوراثة، وحتى أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، بأسلوب يمزج بين رصانة الحقائق وخفة الفكاهة، كأن يذكرنا بأن فنجان الشاي الذي نحتسيه قد يحتوي على ماء شربه يوماً ديناصور عطش في عصور غابرة.
بين وفرة المعلومات وأزمة الثقةفي مقدمة" كشف أسرار الكون"، تشير لوسي هوكينج إلى أن توفر المعلومات عبر الإنترنت لا يعني امتلاك المعرفة، وتطرح سؤالاً مباشراً: كيف يمكن التحقق من صحة ما نقرأ؟ هذا السؤال يكتسب أهمية خاصة في سياق تتزايد فيه المواد التي تقدم تفسيرات مبسطة للكون، من دون أساس علمي راسخ.
يظهر هنا جانب آخر من المشكلة: غياب تجارب تبسيط العلوم التي تجمع بين الدقة والجاذبية.
في هذا الفراغ، تجد بعض الخطابات غير العلمية مساحة للانتشار، مستفيدة من حاجة القارئ إلى تفسير العالم من حوله.
لا يكفي في هذه الحالة تقديم معلومات صحيحة، بل يصبح من الضروري تقديمها في صيغة قادرة على المنافسة.
تقدّم سلسلة" جورج" نموذجاً مختلفاً، حيث تُدمج المعلومات العلمية داخل بنية سردية، وتُدعم بمقالات كتبها متخصصون.
هذا المزج بين الحكاية والبحث العلمي يتيح للقارئ بناء معرفة تدريجية، قائمة على الفهم لا الحفظ.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك