كشف تقرير مطول نشرته مجلة جامعة كولومبيا المتخصصة في شؤون الصحافة والإعلام للصحفي أليكس باسترناك عن أزمة غير مسبوقة تواجه صحافة المصادر المفتوحة خلال حرب إيران.
جاء ذلك بعد فرض شركات أمريكية متخصصة في صور الأقمار الصناعية قيودا واسعة على نشر الصور الفضائية الخاصة بمنطقة الشرق الأوسط.
list 1 of 2بعد" إم في هونديوس".
تفشٍ مرضي جديد يعزل سفينة بريطانية بفرنساlist 2 of 2بعد شهر من الحصار البحري على إيران.
كم سفينة تحدت القيود الأمريكية؟وهو ما اعتبره صحفيون وباحثون تهديدا مباشرا لقدرة الإعلام على التحقق المستقل من الوقائع الميدانية وكشف الروايات المتضاربة في زمن الحرب.
وأوضح التقرير أن صور الأقمار الصناعية التجارية تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى أداة محورية في عمل الصحفيين والمؤسسات الإعلامية المعنية بالتحقيقات البصرية، لا سيما مع توسع الاعتماد على تقنيات المصادر المفتوحة في تغطية النزاعات المسلحة والكوارث والانتهاكات الحقوقية.
وأشار التقرير إلى أن الحرب الأخيرة على إيران كشفت حجم هذا الاعتماد، بعدما وجدت مؤسسات إعلامية كبرى نفسها عاجزة عن الوصول إلى الصور الحديثة التي كانت تستخدمها للتحقق من الضربات الجوية وتتبع التحركات العسكرية وتقييم حجم الدمار.
وبحسب التقرير، بدأت الأزمة فعليا في الأيام الأولى للحرب، حين نشرت شبكة" سي إن إن" (CNN) صورا لموقع عسكري أمريكي في الكويت تعرض لهجوم بطائرة مسيرة إيرانية، قبل أن يكشف البنتاغون تفاصيل الهجوم أو العدد الكامل للقتلى.
كما استخدمت صحيفة نيويورك تايمز صورا فضائية لتقييم الأضرار التي لحقت بالقواعد الأمريكية في الخليج، بينما اعتمدت مؤسسات إعلامية أخرى على الصور ذاتها في التحقيق بشأن قصف مدرسة ابتدائية أدى إلى مقتل 175 شخصا.
وأكد التقرير أن أغلب هذه التحقيقات اعتمدت على صور شركة" بلانيت لابس"، التي تعد من أبرز مزودي الصور الفضائية التجارية في العالم، نظرا لقدرتها على تصوير معظم اليابسة بشكل شبه يومي عبر أكثر من 200 قمر صناعي.
لكن الشركة أعلنت في السادس من مارس/آذار تعليق نشر الصور الجديدة فوق الخليج والعراق والكويت ومناطق النزاع المجاورة، قبل أن توسع القرار لاحقا ليشمل إيران والقواعد العسكرية الحليفة في المنطقة.
ونقل التقرير عن الشركة قولها إن القرار جاء بعد مشاورات مع" خبراء داخل وخارج الحكومة" بهدف منع استغلال الصور من قبل" جهات معادية" قد تستخدمها لاستهداف القوات الأمريكية وحلفائها.
وفي مطلع أبريل/نيسان، تحول القرار إلى حظر مفتوح وغير محدد المدة، بعدما طلبت الحكومة الأمريكية من مزودي الصور الفضائية" تعليق نشر الصور بشكل طوعي" في نطاق جغرافي واسع مرتبط بالحرب.
ويرى التقرير أن هذه القيود عمقت" ضباب الحرب" في لحظة تشهد أساسا قيودا مشددة على تدفق المعلومات.
ففي إيران، فرضت السلطات قيودا واسعة على وسائل الإعلام الغربية وقطعت خدمات الاتصال لفترات طويلة، بينما شددت حكومات خليجية الرقابة على تداول صور الهجمات الإيرانية بالطائرات المسيرة.
وفي ظل هذا الواقع، أصبحت صور الأقمار الصناعية بالنسبة للصحفيين والباحثين بمثابة نافذة شبه وحيدة لرؤية ما يجري على الأرض.
ونقل التقرير عن إيميلي تريب، مديرة منظمة إير وورز (Airwars)، قولها إن صور بلانيت لابس لعبت دورا أساسيا في تحقيقات عدة، من بينها توثيق أضرار غارات أمريكية في اليمن.
وكذلك التحقيق الذي حدد المركبات العسكرية الإسرائيلية المتهمة بالمسؤولية عن مقتل الصحفي في رويترز عصام عبد الله جنوب لبنان عام 2023.
وأضافت أن صور الأقمار الصناعية توفر طبقة إضافية من المعلومات يمكن أن تناقض الروايات الرسمية أو تعزز فرضيات أخرى.
روايات رسمية تحت الاختباروأشار التقرير إلى أن التعتيم المفروض على الصور الفضائية أثار مخاوف واسعة بين صحفيي المصادر المفتوحة، الذين اعتبروا أن القيود الجديدة تضعف قدرة الإعلام على اختبار الروايات الرسمية بشكل مستقل.
وقال الباحث بنجامين ستريك إن" نافذة التحقق المستقل تنهار في اللحظة الأكثر أهمية، أي خلال أول 24 إلى 72 ساعة بعد الضربات.
وأضاف أن صور الأقمار الصناعية كانت حاسمة في توثيق آثار الضربة التي استهدفت المدرسة، إذ أظهرت حجم الدمار والتغيرات الأرضية في موقع يستحيل الوصول إليه ميدانيا.
وأوضح أن غياب الصور المبكرة قد يحول الحوادث الموثقة إلى ادعاءات متنازع عليها.
كما نقل التقرير عن الباحث سام لاير قوله إن تأخير الصور لمدة أسبوعين قد يكون مفهوما من الناحية العسكرية لمنع استخدامها في الاستهداف، لكن الحظر المفتوح يبدو مرتبطا أكثر بإخفاء معلومات محرجة كشفتها التحقيقات المفتوحة.
وفي ظل غياب الصور الأمريكية الحديثة، لجأ الصحفيون والباحثون إلى بدائل أوروبية وآسيوية وأمريكية جنوبية.
وأشار التقرير إلى أن وسائل إعلام استخدمت صور وكالة الفضاء الأوروبية وأقمار كوبرنيكوس الأوروبية لرصد آثار الحرب والتسربات النفطية قرب جزيرة خارك الإيرانية.
كما اعتمد صحفيون على صور شركة إيرباص، إضافة إلى خدمات إعادة بيع صور فضائية من شركات كورية جنوبية وأسترالية وألمانية.
وأوضح التقرير أن بعض المؤسسات طورت أدوات بديلة خاصة بها، فقد استخدمت منصة بيلينغكات (Bellingcat) بيانات الرادار الفضائي لرصد الأضرار في إيران والخليج.
بينما دمج صحفيون آخرون صور الأقمار مع بيانات الرياح والدخان ومقاطع الفيديو المنشورة على مواقع التواصل الاجتماعي لتوثيق مواقع الضربات واتجاهاتها.
صور إيرانية تكشف حجم الأضرارومن أبرز ما أورده التقرير اعتماد صحيفة واشنطن بوست (The Washington Post) على صور فضائية إيرانية لتقييم حجم الأضرار التي لحقت بالقواعد الأمريكية في المنطقة.
وأوضح أن إيران نشرت صورا تظهر مئات الضربات التي استهدفت منشآت أمريكية وخليجية، وهو ما دفع الصحفيين إلى مقاطعتها مع صور أوروبية وصور قديمة من بلانيت لابس للتحقق من صحتها.
وبحسب التحقيق، تمكن الصحفيون من توثيق تضرر أو تدمير 217 منشأة و11 قطعة معدات في 15 موقعا عسكريا أمريكيا، بينها أنظمة رادار ومنشآت دفاعية.
ورأى التقرير أن هذه الواقعة أظهرت أن إيران تمتلك قدرات متقدمة في التصوير الفضائي والرصد، كما كشفت في الوقت ذاته هشاشة اعتماد الصحافة الغربية على مزود أمريكي واحد للصور الفضائية.
مستقبل صحافة المصادر المفتوحةوأشار التقرير إلى أن الأزمة الحالية قد تدفع المؤسسات الإعلامية والحكومات مستقبلا إلى تنويع مصادر الصور الفضائية وتقليل الاعتماد على الشركات الأمريكية المرتبطة بعقود دفاعية واستخباراتية.
كما لفت إلى ظهور مبادرات جديدة تسعى إلى إنشاء أقمار صناعية مخصصة للأغراض الإنسانية والصحفية بعيدا عن النفوذ الحكومي والعسكري، من بينها مشروع كومن سبيس (Commonplace).
لكن التقرير حذر من أن الاتجاه العام في القطاع يسير نحو مزيد من الارتباط بالمؤسسات الدفاعية، خصوصا مع توسع العقود العسكرية لشركات الأقمار الصناعية التجارية.
وقالت إيميلي تريب إن الأزمة كشفت مشكلة أعمق تتعلق بتحول الوصول إلى صور الأقمار الصناعية التجارية المكلفة إلى شرط أساسي حتى تحظى قصص الضحايا والانتهاكات بالتصديق والاهتمام الدولي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك