هل يمكن أن تكون الديمقراطية حالةً سياسيةً انتخابية تتلخّص بالحصول على 51%، والفوز بالحكم ومقاعد السلطة، واختزالها برقم فقط؟ أتساءل ولسان حالي يردّد: الرقم ليس حساباً يتقنه طالب في مدرسة، بل قيمة تعكس وجوداً مكتملاً، وكثافته رمز رقمي.
فالقول إنّ المجتمع مجموعة من الأفراد معدودين برقم لا يدلّ ذلك على طبيعة وجود هذا المجتمع قيمياً وسياسياً واقتصادياً وحضارياً، إذ إنّ تساوي عدد سكّان بلدَين لا يعني تساويهما حضارياً واقتصادياً وسياسياً، والنسب الانتخابية لا تعكس تطوّر بلد بذاته، ونسب فوز رؤساء العرب السابقين بما يزيد على 90% لم تكن تدلّ على أنّ بلداننا تعيش الديمقراطية والحداثة والتطوّر، بل نغطّ في أسفل قوائم العالم تنميةً وحرّياتٍ وسياسياتٍ واستبداداً.
فإن كانت أدوات التحليل السابقة تحيلنا على السُّلطات المتغوّلة أمنياً على المجتمع، فهي اليوم تحيلنا على مفهوم الأكثرية/ الأقلّية العددية دون السياسية، فهل يصحّ القول إنّها الفيصل في شؤون الحكم وموضوع الديمقراطية" مالئة الأفواه وشاغلة الناس"؟مقولة الأكثرية/ الأقلّية العددية السائدة اليوم في سورية خطر داهم ما بعد الثورة، ويتطلّب استدراكها العمل للتحوّل من قيمتها العددية إلى مفهومها السياسيأجل، ومن دون أيّ مغالطات، الديمقراطية سياسياً هي الفوز بالحكم بأكثرية النسبة الذهبية (50% +1) من المجتمع، لكنّ هذه النسبة تعني أنّ الفرد مالك خياره الحرّ، وبكامل إرادته، في إبداء رأيه والدفاع عنه، وينتخب ممثّليه وفق مشروع سياسي يعتقد أنّه يحقّق مصلحته ومصلحة مَن يمثّلهم، سواء أكانوا من طائفته أم دينه أم خلافهم.
والنسبة المتمّمة (49%) تحتفظ بحقّها في الفوز بدورة انتخابية مقبلة، ويحقّ لها أن تعارض مشروع الفائز بالسلطة وفق أطر قانونية متّفق عليها دستورياً.
كذلك فإنّها لا تخشى الاعتقال أو النفي من البلد وهدر حقوقها لأنّها معارضة أو مختلفة مع مشروع الأكثرية كما كان يحدث في دول التسلّط العربي: سورية مثلاً.
يبدو مفهوم" الأكثرية/ الأقلّية السياسية" المفتاح السحري التائه لفهم أعمق لموضوعة الديمقراطية يتجاوز مفهومها العددي، وهي معضلة يسوّقها في ديارنا كلٌّ بحسب منهله الثقافي والفكري ومصالحه ومعتقداته.
فبعضنا يراها مصباح علاء الدين السحري يحقّق أيّ أمنية نريدها بمجرّد لمسه والمسح عليه.
في المقابل، يراها بعضنا الآخر شرّاً مستطيراً يجب اجتثاثه من الأذهان، فهي منتجة الخلل الأخلاقي الغربي، ودخيلة على قيمنا الراسخة في ولاية أولي الأمر.
وشخصياً، أرى أنّ الديمقراطية المتنازع عليها في سورية بين هذين الحدّين براءٌ من هذه وتلك، ولكنّها ليست براءً منّا؛ فلدى بعضنا، هنا وهناك، هي انعكاس تموضعات بنياننا المجتمعي المتمحورة على موروثها الديني، سواء كانت أكثريةً دينيةً أو أقلّيةً طائفيةً، وهي ليست الأكثرية السياسية المفترضة.
فهل ما زلنا ننحت كلاماً لا يتناسب مع واقعنا ونُتهم بالتنظير؟ وهذا موضع آخر للقول، لكن.
في كلّ مرة تستدرك فيها بهذه الـ" لكن" تنتابك موجة ألم يصعب الخروج منها، فهي محاولة للانعطاف خارج المشهد المأساوي الذي نعيش، إذ تتضارب المصالح، ويعاد استنزاف البلد مرّةً تلو مرّة.
وهي تعيدنا إلى الوقوع في فجوة من الحيرة بين الواقعية المريرة والتعاطي مع الواقع ومحاولة زحزحته باتجاه إيجابي، وبين المثالية النظرية التي تكاد تكون منسلخةً عن الواقع.
فواقعياً تُروّج مقولة الأكثرية/ الأقلية لا من منظارها السياسي، بقدر ما تُروّج من منظورها العدّدي الذي يشير سوريّاً إلى الأكثرية السنّية، وهي صاحبة الأحقّية في الحكم، وتخاف من عودة حكم الأقلّية السابقة وجرائمها.
في المقابل، تخشى الأقلّية من حكم الأكثرية الدينية وتغوّلها وانتقامها، وكلاهما، بحسب ما يظهره واقع اليوم، يشترك في أنّه يلجأ إلى التخوين والتعميم لإدانة الآخر ورجمه.
وحتّى اليوم لم نزل نقف على حافّة الهاوية، وسؤال الفرد الفاعل بوصفه مواطناً هو الغائب الفعلي من المشهد.
وأتساءل هنا: هل يمكن أن تبطل الحجج بالأفعال؟ ماذا لو أُجريت انتخابات قريبة في دوائر المحلّيات على مستوى القرى والبلديات بدايةً في مشوار الانتخابات السياسية الممكنة؟ هل يمكن حينها أن تنتفي فكرة هيمنة الأكثرية العددية لمصلحة الأكثرية السياسية؟ واقعياً أجل، لكن منهجياً لا أعتقد، لماذا؟ لأنّ مفهوم الأكثرية/ الأقلّية مرتبط مؤسّساتياً بمفهوم المواطنة، والمواطنة تعني الفرد المُعرَّف بالعقد الاجتماعي والمصونة حقوقه السياسية والمدنية والإيمانية بالدستور والقانون الوضعي الذي يعكس واقعاً يُعرّف فيه الفرد بانتمائه المؤسّساتي سياسياً ومدنياً، وليس بانتمائه الفطري لطائفته أو دينه، أو ما تُسمّى بـ" بنى ما قبل دولة"، وهذا ما لم يُنجز بعد، وهنا لبّ المشكلة.
في سياق مختلف، يُطلّ علينا بين فينة وأخرى من يقتطع مقولة من سياقها العام محاولاً تبرير الواقع المأزوم، وذلك بات مشهوداً في أروقة التعيينات السائدة في البلاد، إذ يجري التراكض لنيل المناصب عبر التزلّف والرياء، ويبدو أنّه المسار الأكثر نجاحاً في كسب مواقع السلطة والنفوذ سوريّاً.
فالقول إنّ المجتمع العربي مهزوم ثقافياً لم يكن مجرّد قول وصفي عابر، بل هو خلاصة فكرية لجملة من أعلام النهضة العربية الثانية منتصف القرن الماضي أمثال عبد الله العروي ومحمد عابد الجابري وياسين الحافظ وإلياس مرقص.
الذين ركّزوا جدالاتهم حول الموضوع المطروح ذاته، وهو مفهوم الأكثرية/ الأقلّية، والمصنّفة بوصفها بنى ما قبل دولة، وسياق نقدهم نفذ إلى البعد الثقافي للمجتمع وفواته التاريخي، وهو ما ينعكس اليوم في أوضح صورة في السباق على مواقع الحكم.
فإن كانت خلاصة ذلك الفكر النهضوي تحمّل المجتمع ونخبته المفكّرة مسؤوليةً مباشرةً عن ثورة الوعي بمفهوم المواطنة والأكثرية السياسية، وفق مشروع نهضوي ثقافي، فمن المفترض نظرياً أنّ ثورات الربيع العربي باتت هي المسؤولة عن إطلاق هذا المشروع وإعادة استحضار استحقاقه، خصوصاً أنّ الثورات كانت ضدّ منظومات التسلّط التي حرمت المجتمع ونُخبه ومثقّفيه أيّ دور فاعل، فلماذا لا تأخذ دورها اليوم؟الصراع على مكاسب السلطة ومواقعها في سورية يحدث على أرضية طائفية دينية تتمثّل بمقولة" الأكثرية/ الأقلّية العددية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك