في مخيم" حي الجامعة"، غربي مدينة إدلب، شمال غربي سورية، المخيم الذي لا يحمل من اسمه سوى المفارقة، لا يبدأ نهار أطفال محمد المحمود مع صوت جرس المدرسة، بل مع عربات القمامة وحاويات النفايات التي يتوزعون عليها منذ ساعات الصباح الأولى، بحثاً عمّا يمكن بيعه أو الاستفادة منه للبقاء على قيد الحياة.
هناك، يقضي الأب وأربعة من أبنائه يومهم في جمع ما يمكن بيعه أو الاستفادة منه، في محاولة للبقاء على قيد الحياة داخل خيمة مهترئة لا تقي حر الصيف ولا برد الشتاء.
محمد المحمود (50 عاماً)، ينحدر من مدينة سلقين غربي إدلب، نزح قبل نحو 25 عاماً إلى مدينة سراقب بحثاً عن العمل، حيث عاش حياة متواضعة مستقرة نسبياً عامل مياومة، قبل أن تغيّر الحرب كل شيء.
ومع حملة التهجير الكبرى التي شهدها ريف إدلب الجنوبي والشرقي مطلع عام 2020، اضطر للنزوح مجدداً ليستقر في مخيم" حي الجامعة" غربي إدلب، حيث لا تزال عائلته تعيش حتى اليوم.
ورغم سقوط نظام الأسد وبدء مرحلة جديدة في سورية، لم يتغيّر شيء فعلياً بالنسبة لعائلة محمد المؤلفة من عشرة أفراد، إذ لا تزال الخيمة المهترئة ملاذهم الوحيد، وسط بيئة يصفها بأنها" غير صالحة للحياة"، تنتشر فيها الأعشاب والأوساخ والحشرات، فيما تتسرّب مياه الأمطار إلى الداخل شتاءً، وتحوّلها الشمس صيفاً إلى ما يشبه" الفرن".
لكن القسوة الأكبر، بحسب محمد، لا تتعلق بالخيمة أو الجوع، بل بحرمان أطفاله من التعليم، قائلاً لـ" العربي الجديد": " بدلاً من أن أرسل أولادي إلى المدرسة آخذهم معي إلى حاويات القمامة كي أعيش.
لا أملك منزلاً أو قطعة أرض أو أي شيء في هذه الحياة، وعائلتي كبيرة ولا أستطيع إعالتها وحدي".
وأضاف: " أحزن جداً لأن أولادي خارج المدارس، لكنني لا أملك ثمن قلمٍ لهم.
لدي إصابة حربية قديمة في ساقي، وفكي تعرّض لأربعة كسور، ومع ذلك أحمل كيساً على ظهري وأجوب حاويات المدينة طوال النهار".
يقسّم محمد وأطفاله المدينة إلى قطاعات يومياً، فينتشر كل واحد منهم قرب مجموعة من الحاويات بحثاً عن البلاستيك أو المعادن أو أي مواد قابلة للبيع، قبل أن يجتمعوا مساءً داخل المخيم.
أكبر أبنائه العاملين معه لا يتجاوز عمره 13 عاماً، بينما تتولى زوجته ثريا فرز ما يجمعونه تمهيداً لبيعه أو استخدام بعضه داخل الخيمة.
ولا تقتصر معاناة العائلة على العمل القاسي، إذ يقول محمد إن الحاويات أصبحت مصدراً للغذاء والملابس أيضاً: " أحياناً أجد بقايا طعام تساعدنا على الأكل، أو ثياباً يمكن أن أرتديها أنا أو أحد أولادي".
ويرى محمد أن استمرار الحياة داخل المخيم بات شبه مستحيل، خصوصاً مع تراجع المساعدات الإنسانية وصدور إنذارات بإخلاء المخيم، مضيفاً: " أتمنى أن تؤمّن لي الدولة فرصة عمل، حتى لو كانت حارساً، وأن أحصل على قطعة أرض أنصب عليها خيمتي".
داخل الخيمة، تبدو ثريا المصطفى، زوجة محمد، غارقة في يوم طويل من الأعمال المنزلية الشاقة التي تبدأ مع فرز النفايات ولا تنتهي عند غسل الثياب يدوياً أو إشعال النار للطهو باستخدام بقايا قابلة للحرق عثرت عليها العائلة بين القمامة.
وتقول لـ" العربي الجديد": " كل شيء قاس في حياتي اليومية، أفرز ما تجمعه عائلتي من الحاويات لنبيعه ونشتري طبخة اليوم.
أترك بعض الأشياء لأستخدمها في إشعال النار، وأغسل الثياب بيدي، ولا معنى لوجود خزانة ملابس لدينا، فكل ولد عندي يملك بدلتين فقط، يرتدي واحدة وأغسل الأخرى".
وتتابع: " أكثر ما يحزنني أن أولادي بلا مدارس.
أعلم أن التعليم جميل وهو ما يحفظ مستقبلهم، لكن ما باليد حيلة".
وتعكس قصة عائلة محمد جانباً من واقع آلاف الأطفال في مخيمات شمال غربي سورية، حيث دفعت سنوات النزوح والفقر كثيراً من العائلات إلى الزج بأطفالها في سوق العمل، بعيداً عن المدارس، في وقت تتراجع فيه الاستجابة الإنسانية وتتفاقم الأوضاع المعيشية داخل المخيمات.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك