بقلم المحامية: شيرين كم نقشلم يكن الخلل يومًا في قلة ما نملك بل في ضيق ما نفهم, نحن لا نُرهَق لأن الرزق شحيح بل لأننا حصرناه في شكلٍ واحد ثم جعلناه المقياس الوحيد لكل شيء فاختزلناه في مالٍ يُعدّ، أو نجاحٍ يُرى، أو مقارنةٍ لا تنتهي.
حتى أصبح الإنسان دون أن يشعر يقيس قيمته بما يملك لا بما هو عليه لكن الحقيقة التي نتجاهلها وربما نخاف مواجهتها أن الرزق ليس ما يدخل جيبك فقد تملك الكثيرومع ذلك تشعر بأن شيئًا ما ينقصك دون أن تستطيع تسميته لأن ما تحتاجه حقًا قد لا يكون مما يُقتنى، بل مما يُشعر القلب بالسكينة… سكينةٌ لو حضرت لاختفت ضوضاء المقارنة وعقلٌ لو اتّزن لما خدعته المظاهر وقلبٌ لو صفا لما أثقله ما لا يستحقالرزق الحقيقي لا يُحدث ضجيجًا لأنه لا يحتاج أن يُثبت نفسه هو ذلك الشعور الخفي بالاكتفاء حين لا تكون مضطرًا لأن تبرر لنفسك أو لغيرك أنك بخير ومن زاويةٍ أكثر واقعية، لم يعد هذا المعنى مجرد تأملات إذ تشير الدراسات النفسية بوضوح إلى أن الإنسان لا يبلغ استقراره الداخلي بما يملك بل بجودة ما يعيشه: علاقاته، شعوره بالأمان، إحساسه بالمعنى.
وكلها أرزاق لا تُشترى، لكنها تُبنى وتُفقد حين نُهملها.
فكم من إنسانٍ حقق ما كان يسعى إليه، ثم اكتشف متأخرًا أنه كان يركض في الاتجاه الخطأ.
وكم من آخر لم يملك الكثير، لكنه امتلك نفسه فاستراح.
ثم هناك ذلك الرزق الذي لا نصنعه، لكنه يصنعنا: كدعوة أمٍّ تُمهّد لنا الطريق دون أن نراها، ورضا أبٍ يزرع في أعماقنا توازنًا لا تخلقه الدنيا، وأختٍ تُربّت على أرواحنا بكلمةٍ حنونة حين نتعب، وأخٍ نشعر بقوّته سندًا حتى وإن لم يتحدث كثيرًا، وصديقٍ لا يُنهي أزماتنا لكنه يجعلها أكثر احتمالًا، وقلبٍ يحبنا بصدق فيُعيد إلينا ثقتنا بالحياة بعد كل تعب، وضحكةِ ابن قادرة على أن تُعيد للحياة معناها بعد يومٍ طويل من الإرهاق.
وهذه ليست تفاصيل هامشية كما نظن، بل هي الحياة في أكثر صورها صدقًا وإنسانية، وهي الأرزاق التي لا تُعوّض مهما كثرت البدائل.
ولعل أخطر ما يمكن أن يحدث، ليس أن تفقد بعض ما تملك، بل أن تفقد قدرتك على الإحساس بما لديك.
حينها، لن يكفيك شيء… لأن المشكلة لم تعد في الرزق، بل في إدراكه.
لذلك، ليس المطلوب أن نقلل من شأن المال أو الطموح، بل أن نُعيد وضعهما في مكانهما الصحيح.
أن نسعى… نعم، ولكن دون أن نُفرّط فيما لا يُعوّض.
أن نُنجز… لكن دون أن نخسر أنفسنا في الطريق.
لأن الرزق، في حقيقته، ليس ما تجمعه الحياة لك بل ما تبقيه فيكليس الرزقُ ما بين يديك، بل ما بينك وبين نفسك من سلام فإن ضاق صدرك لن يُغنيه اتساع الدنيا وإن اتسع قلبك.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك