اتّسعت رقعة الغضب الشعبي في تونس إزاء التلوّث الصناعي وتدهور الأوضاع البيئية والمعيشية، في وقت تتصاعد فيه مطالب السكان بفرض رقابة صارمة على المؤسسات الصناعية المتهمة بالإضرار بالبيئة والصحة العامة.
واليوم الاثنين، نظّم أهالي منطقة الرويسات، التابعة لمعتمدية السبيخة في ولاية القيروان (وسط)، مسيرة احتجاجية باتجاه قصر قرطاج، للمطالبة بتدخّل رئاسة الجمهورية لوقف ما وصفوه بـ" الكارثة البيئية" الناجمة عن نشاط مصنع إسمنت في جهتهم يستخدم مادة فحم الكوك البترولي.
ورفع المحتجّون في مسيرتهم شعارات تطالب بـ" الحقّ في بيئة سليمة" و" إنقاذ الأهالي من التلوّث"، مبيّنين أنّ المنطقة تحوّلت في السنوات الأخيرة إلى فضاء مهدَّد صحياً بسبب الانبعاثات المتواصلة للغبار والمواد السامة الصادرة عن مصنع الإسمنت المشار إليه سابقاً، ولا سيّما مع استخدام فحم الكوك البترولي في عمليات الإنتاج.
ويُعَد فحم الكوك البترولي من المواد الثقيلة الناتجة عن تكرير النفط، ويُستخدَم في عدد من الصناعات الكبرى، ولا سيّما في مصانع الإسمنت، بسبب كلفته المنخفضة وقدرته العالية على الاحتراق، لكنّ خبراء بيئيّين يحذّرون من مخاطره، إذ يحتوي على نسب مرتفعة من الكبريت والمعادن الثقيلة، وقد يؤدّي احتراقه إلى انبعاث جسيمات دقيقة وغازات ملوّثة، من قبيل ثاني أكسيد الكبريت وأكاسيد النيتروجين، وهي مواد تتسبّب في أمراض الجهاز التنفسي والحساسية والسرطان وأمراض القلب.
يقول الناشط في حراك الرويسات محمود الخليفي، لـ" العربي الجديد"، إنّ المنطقة تعاني منذ سنوات من تلوّث خانق من جرّاء الانبعاثات الصادرة عن مصنع الإسمنت، ما تسبّب في تصحّر المناطق التي كانت زراعية وتلوّث المياه الجوفية، الأمر الذي دفع الأهالي إلى الاعتصام في المنطقة منذ أسابيع للمطالبة بحقّهم في بيئة سليمة.
ويوضح الخليفي أنّ مصنع الإسمنت المحاذي للمناطق السكنية والزراعية يستخدم مادة فحم الكوك البترولي الملوّثة بكميات كبيرة، ما أدّى إلى تضرّر الأراضي الزراعية التي كانت تنتج الحبوب والزيتون وتُعَدّ مصدراً أوّلاً لدخل أهالي المنطقة.
ويضيف الخليفي أنّ أهالي منطقة الرويسات بمعظمهم يعملون في الزراعة، وكانوا من أبرز منتجي الحبوب البعلية، غير أنّ مردود المساحات الزراعية تراجع بصورة لافتة في السنوات الأخيرة، حتى إنّها لم تعد تنتج شيئاً، الأمر الذي فاقم الأزمة الاجتماعية في المنطقة، وحرم مئات الأسر من مصدر عيشها الأساسي.
ويشير الناشط التونسي إلى أنّ الضرر الذي لحق بالأهالي ناجم كذلك عن استخدام المتفجرات في المقاطع المحاذية للمصنع، الأمر الذي أدّى إلى تصدّعات في المباني ومنازل أهالي المنطقة.
ويتابع الخليفي أنّ احتجاجات الرويسات تعكس احتقاناً شعبياً بسبب ما عدّه" تضحية بصحة السكان من أجل مصالح اقتصادية وصناعية"، في ظلّ ضعف الرقابة البيئية وتأخّر تنفيذ الحلول الموعودة.
بدورها، تبدو مدينة قابس، جنوب شرقي تونس، على باب احتجاجات بيئية جديدة، بعدما دعا ناشطو حراك" ستوب بوليوشن" (أوقفوا التلوّث) إلى تنظيم مسيرة في الثامن من يونيو/ حزيران المقبل، تزامناً مع الاحتفال بيوم البيئة العالمي، من أجل المطالبة بإنهاء التلوّث الصناعي الذي تعاني منه المدينة منذ عقود.
وتُعَدّ قابس من أكثر مناطق تونس تضرّراً من جرّاء الغازات المنبعثة من الوحدات الملوّثة في المجمّع الكيميائي التونسي، وما ينتجه من حمض فوسفوريك وفوسفات ثنائي الأمونيوم ونترات الأمونيوم.
وقد تحوّلت القضية البيئية في قابس إلى محور أساسي في حراكات تونس الاجتماعية، خصوصاً مع تزايد الشكاوى من انتشار أمراض تنفسية وسرطانية، بالإضافة إلى تدهور الواحات والشريط الساحلي والثروة البحرية.
يُذكر أنّ مدينة قابس شهدت سلسلة من الوقفات والمسيرات الاحتجاجية، قادتها جمعيات بيئية وناشطون وشبّان من الجهة، للمطالبة بتفكيك الوحدات الصناعية الملوّثة أو نقلها بعيداً عن المناطق السكنية، إلى جانب المطالبة بالكشف عن نتائج الدراسات الصحية والبيئية المتعلقة بتأثير النشاط الصناعي في السكان.
وتقول المسؤولة عن قسم العدالة الاجتماعية في المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، رحاب المبروكي، لـ" العربي الجديد" إنّ عودة الاحتجاجات البيئية في تونس تعكس تحوّلاً في طبيعة المطالب الاجتماعية، إذ لم تعد مقتصرةً على التشغيل والتنمية فقط، بل صارت تشمل كذلك الحقّ في الصحة والهواء النظيف والعيش في بيئة آمنة.
وتضيف المبروكي أنّ" هذه التحرّكات تكشف عن تنامي الوعي البيئي لدى فئات واسعة من المواطنين، ولا سيّما في المناطق المتضرّرة مباشرة من الأنشطة الصناعية الثقيلة".
ويؤكّد ناشطون أنّ تجاهل الملف البيئي يهدّد بتوسيع دائرة الاحتقان الاجتماعي، خصوصاً مع تصاعد شعور السكان بأنّ مناطقهم تدفع كلفة التنمية الصناعية من صحتهم ومواردهم الطبيعية، في حين تبقى الحلول الحكومية بطيئة وكذلك عاجزة عن احتواء الأزمة المتفاقمة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك