أثارت حرب إيران تساؤلات كثيرة حول معادلة الأمن في الخليج العربي الذي تعرض لتهديدات مباشرة وخسائر عديدة نتيجة الاعتداءات الإيرانية، ورغم خطورة الأزمة الحالية إلا أنها ليست الأولى التي تواجه تلك المنطقة، وخلال العقود الأخيرة وجدت دول الخليج نفسها أمام حزمة مركبة من الخيارات الصعبة، فقد تداخل السياسي بالاقتصادي، وتشابك الأمني بالاجتماعي، وخرجت التحديات من نطاق الإدارة اليومية إلي فضاء الأسئلة الوجودية المتعلقة بالدولة والتنمية والسيادة، ودور الخليج في نظام دولي سريع التحول، لم تكن هذه الخيارات وليد عامل واحد بل نتاج تراكمي لجملة من التحولات المتزامنة، منها تحول اقتصادي قسري في عالم ما بعد النفط، وضغوط إقليمية متزايدة في ظل احتدام النزاعات وتراجع منطق الاستقرار، وتعقد المشهد الايراني الإسرائيلي ـ الأمريكي وانعكاساته علي أمن الخليج، وتراجع موثوقية الضمانات الدولية التقليدية، وصعود نظام عالمي أكثر سيولة وأقل يقينا، إلي جانب ثورة تكنولوجية جارفة تعيد تشكيل الاقتصاد، وسوق العمل والتعليم.
في خضم هذه التحولات برزت أسئلة باتت حاضرة في عمق النقاش العام: هل ستظل صيغ التعاون الخليجي علي حالها، أم انها مقبلة علي تطور نوعي أو إعادة تعريف، وما موقع الخليج العربي من التكتلات والمحاور الجديدة، وكيف يمكن التوفيق بين الشراكات الدولية ومتطلبات السيادة، وهل يمكن الوصول إلي أمن خليجي ذاتي؟هذه التساؤلات هي المدخل الأساسي الذي انطلق منه واحد من أهم الكتب التي صدرت عن منطقة الخليج، وهو كتاب (الخليج العربي في زمن الخيارات الصعبة) للمفكر البحريني عبدالنبي الشعلة الذي شغل عدة مناصب وزارية من قبل، بالإضافة إلي عضوية مجلس الشورى ولجنته التنفيذية وكثير من المؤسسات الاقتصادية والإعلامية، ويناقش الأحداث المتسارعة التي شهدتها منطقة الخليج خلال السنوات الأخيرة من المصالحة الخليجية إلي الاتفاقات الإبراهيمية، ومن انفجار طوفان الأقصى وتداعياته الإقليمية، إلى إعادة تموضع النفط في المعادلة العالمية وتحول الخليج إلى ساحة تنافس دولي أكثر تعقيدا، وصولا إلى صعود الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي وتأثيراتهما العميقة في سوق العمل والتعليم والإدارة وأنماط التفكير ذاتها، كل ذلك وضع دول الخليج أمام حقيقة أن زمن الوفرة السهلة واليقينيات الثابتة والتحالفات المضمونة قد انتهى، وأن المرحلة الجديدة تتطلب تماسك الجبهة الداخلية وبناء اقتصاد منتج ومجتمع معرفي ومؤسسات مرنة قادرة علي امتصاص الصدمات.
لقد وجدت دول الخليج نفسها أمام معادلة أمنية معقدة، ضمان الاستقرار الداخلي في بيئة إقليمية شديدة الاضطراب، وفي وقت تتراجع فيه موثوقية الضمانات الأمنية الخارجية التقليدية، وتتغير فيه أولويات القوى الكبرى، لم يعد الأمن مسألة عسكرية فقط بل أصبح مفهوما مركبا يشمل الأمن السياسي والاقتصادي والغذائي والطاقي وأمن الهوية والتماسك الاجتماعي، مما يستلزم العمل علي بناء أمن خليجي ذاتي وتكاملي، وتحويل التعاون الأمني من إطار تنسيقي إلى مشروع استراتيجي طويل المدى.
وعلي المستوى الاقتصادي، تخوض دول مجلس التعاون الخليجي واحدة من أهم مراحل التحول في تاريخها الحديث، لم يعد الحديث عن تنويع الاقتصاد خيارا إصلاحيا بل ضرورة وجودية فرضها تذبذب أسعار النفط وتغير أنماط الطاقة عالميا وضغوط التنافس الدولي، غير أن هذا التحول لا يقتصر على الاقتصاد بل يمتد إلى إعادة تعريف دور الدولة، وطبيعة العلاقة بين المواطن والدولة، وحدود الدعم الاجتماعي، ودور القطاع الخاص، ومفهوم العدالة الاقتصادية، وبذلك تتركز الخيارات الاقتصادية المتاحة أمام دول الخليج في الاستثمار في الانسان من خلال سد الفجوة القائمة بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل، وعبر تعليم يعتمد على التفكير النقدي لا التلقين، ومهارات لغوية ورقمية متقدمة، وربط التعليم التقني بقطاعات النمو الجديدة، إلي جانب تطوير القطاع الخاص والابتكار، من خلال دعم الشركات الصغيرة والمتوسطة وتشجيع ريادة الأعمال، والاستثمار في البحث والتطوير والابتكار، والاهتمام بالإصلاح المؤسسي وتعزيز الشفافية وتحسين الحوكمة، وتسريع الاندماج في الاقتصاد العالمي حيث تمتلك دول الخليج بنية تحتية عالمية في الموانئ والطيران والخدمات اللوجستية، ويكمن التحدي في تعزيز الصادرات غير النفطية، وتوسيع الاتفاقيات التجارية وتعميق التعاون الخليجي.
علاوة على تعزيز العدالة الاجتماعية والتحول المتدرج من خلال الإصلاح الاقتصادي بموازنة رفع الدعم ببرامج حماية اجتماعية ذكية، وبناء سياسات التوطين علي الكفاءة، والسعي إلي مزيد من التكامل الخليجي في مجال الاقتصاد الأخضر، وتوطين التقنيات والاستثمار في الصناعات المرتبطة بالطاقة النظيفة، مع إدارة ذكية للاحتياطيات وتفعيل صناديق الثروة السيادية، وتنويع المحافظ الاستثمارية والقطاعات الإنتاجية، وأهمية التكامل الخليجي بدلا من المنافسة الصفرية.
وفي إطار الحديث عن العلاقات الخليجية العربية، يؤكد عبد النبي الشعلة أن مصر التي كانت وستبقى درعا وحصنا منيعا ومدافعا صلبا وحارسا أمينا يقظا غيورا يهب وينتفض عندما يرى التهديد أو الخطر يداهم أيا من الدول العربية، ويذكر بالموقف الشجاع للرئيس عبد الفتاح السيسي عندما بادر في عام 2013 بالتحرك لإنقاذ مصر وباقي الدول العربية ـ حسب تأكيد المؤلف ـ وإجهاض المخطط الأمريكي في عهد أوباما بإعادة تشكيل الشرق الأوسط والعالم العربي، باستخدام جماعة الإخوان المسلمين، وهو المخطط الذي كان يهدف أولا بإشعال المنطقة عبر ضمن بالفوضى الخلاقة في آتون ما سمي بالربيع العربي تمهيدا للإطاحة بالأنظمة الشرعية لهذه الدول، وتسليم السلطة إلي الجماعات الأصولية الراديكالية، لكن الرئيس السيسي كان من أوائل المدركين لأبعاد وخطورة هذه الخطة، وأول من تحرك لإنقاذ الدول العربية من التفكيك والتقسيم وحماية المنطقة من حكم وسيطرة المتطرفين والإرهابيين.
هذا الكتاب في جوهره دعوة مفتوحة للتفكير الجماعي لتحويل زمن الخيارات الصعبة في الخليج العربي إلى نقطة انطلاق قوية.
* كاتب مصري بصحيفة الأهرام* هذا المقال ينشر بالتزامن مع صحيفة “الأهرام”.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك