أعادت قضية الشابة السورية بتول علوش إلى الواجهة حوادث كثيرة راحت ضحيّتها فتيات وسيّدات من عدّة مدن سورية، خصوصاً في مدن الساحل السوري وبلداته.
وأُعيد فتح ملفّات النساء العلويات المخطوفات، وما يتعرّض له الأهل من ترهيب مستمرّ بدرجات متفاوتة.
ومهما كانت الحقيقة التي تخفيها بتول حالياً، كما فعلت غيرها بسبب الخوف، فلا بدّ من الحديث عن الواقع وما تتعرّض له المرأة في سورية، والتأثيرات الجمّة التي ستخلّفها على بنية المجتمع السوري.
يبدو أنّ سقوط نظام الأسد لم يكن نهاية الصراع في البلاد كما توهّم بعضهم، بل شكّل بداية مرحلة جديدة أكثر تعقيداً، خصوصاً للمرأة السورية.
فبعد عقود من سيطرة قبضة النظام الأمني السابق على المجتمع، وتضييق الخناق على مواطنيه، أدّى سقوطه إلى فراغ أمني وفوضى في إدارة المؤسّسات، على الرغم من محاولات السلطة الانتقالية إظهار عكس ذلك، وكشف هشاشة المعالجات المقدّمة إلى بنى اجتماعية هشّة أصلاً.
ذلك كلّه يضع المواطن السوري عموماً، والمرأة السورية خاصّةً، في قلب معركة شبه يومية من أجل البقاء.
لا تجري عمليات خطف نساء في سورية لأجل مقايضة المخطوفات بالمال، كما في سنوات الحرب، بل لأجل السيطرة والابتزاز الأخلاقي وإعادة إنتاج الخوف أداةً للسلطات المختلفةوبينما شُغل الفاعلون السياسيون في ترويج لمشاريعهم المستقبلية وكسب الدعم والاعتراف من المحيطين، الإقليمي والعالمي، كانت النساء السوريات يواجهن واقعاً جديداً متحوّلاً، تتقاطع فيه الفوضى مع إعادة إحياء عصبيات قديمة تؤجّج الفتن، إضافةً إلى استدعاء مفاهيم" جاهلية" ذكورية محضة تُغلَّف بخطاب ديني مزيّف يحطّ من قدر المرأة، وهو بذلك لا يضرّ نصف المجتمع فحسب، بل المجتمع كلّه.
عقوداً طويلة، كان الخوف سيّد الموقف في المجتمع السوري، لكنّه كان خوفاً منظّماً له مركز واحد وأدوات واضحة تتركّز بيد السلطة المركزية وأجهزتها الأمنية القمعية، بمعنى أنّها احتكرت العنف بصرامة واحتراف.
وبعد سقوط النظام، لم يختفِ الخوف كما توقّع معظم السوريين الحالمين بالحرّية والعدالة، ولم يتبدّد قط، بل تغيّر شكله وتنوّعت مصادره، فتتمتّع جماعات مسلّحة عديدة بسلطة شبه مطلقة في المناطق التي تنتشر فيها، بينما تحاول السلطة الانتقالية فرض القانون بالقوة حيناً وبالتغاضي عن أفعال هؤلاء في أكثر الأحيان.
وسط هذا المشهد، تصبح المرأة هدفاً وأداةً للترويع والضغط في آن، لتجد نساء سورية أنفسهن في مواجهة أشكال جديدة من العنف، لا تقلّ خطورةً عن العنف الذي عايشنه في ظلّ النظام السابق.
ويشكّل الخطف إحدى أكثر الظواهر بروزاً في المجتمع السوري بعد سقوط النظام، خطف طاول نساءً من مناطق مختلفة من البلاد، وإن تركّز، وفق تقارير صحافية وأممية، على بيئات طائفية بعينها.
لم تكن تلك الحوادث مجرّد أفعال جرمية يعاقب عليها القانون، بل كانت مؤشّراً إلى انهيار النظم الاجتماعية والعَقد الاجتماعي بين السوريين.
وخصوصية عمليات الخطف هذه تتمثّل في أنّها لم تجرِ لأجل مقايضة المخطوفات بالمال، كما جرت العادة خلال سنوات الحرب، بل لأجل السيطرة والابتزاز الأخلاقي وإعادة إنتاج الخوف أداةً للسلطات المختلفة.
واللافت أنّ حالات خطف كثيرة طاولت نساءً ينتمين إلى ما بات يعرف بـ" أقلّيات سورية" لم تحابِ السلطة الانتقالية، فتصدّرت النساء السوريات العلويات المشهد، لتلحق بهن نساء السويداء، وتالياً الكرديات، إضافة إلى حالات متفرّقة في مدن ومحافظات أخرى، وهي حالات تعيد جسد المرأة إلى ساحة الصراع مجدّداً، وتحوّله إلى رسالة سياسية واقتصادية واجتماعية بين أطراف النزاع.
لطالما تحكّم النظام السابق بوضع المرأة القانوني والاجتماعي والاقتصادي، فقد حاول إظهار نفسه علمانياً متحرّراً تجاه المرأة، فزجّها في مختلف مفاصل الدولة، بينما تعمّد، في جهة أخرى، فرض قيوده عليها من خلال قوانين الأحوال الشخصية، والقوانين التي تبرّر قتلها إن هي خرجت عن أعراف متخلفة، فضلاً عن تعرّضها للاعتقال والترهيب والنفي السياسي والتغييب القسري والتهجير والعنف المادّي والمعنوي.
ويبدو أنّ الحال لم يختلف كثيراً بعد سقوط النظام، وتولي سلطة انتقالية جديدة الحكم في البلاد، لا سيّما فيما يخصّ وضع النساء، فانتقل المشهد إلى بيئة أخرى، فكانت النساء المنتميات إلى أقلّيات طائفية الأكثر عرضةً للخطر، إذ تعرّضن لعمليات خطف ذات طابع طائفي انتقامي، وإن حاول بعض المؤثّرين الداعمين للسلطة إظهارها بصورة مختلفة عمّا هي عليه في الحقيقة.
ولم تكن حالة الشابة بتول، ومن قبلها ميرا، وغيرهنّ كثيرات، إلا نماذج لما وصل إليه الحال في بلاد خرجت لتوّها من حرب أهلية، وهي أحوج ما تكون إلى سلم أهلي ومصالحة شاملة.
والمفارقة أنّ حرية النساء لا يُتحدّث عنها، ولا تروّج إلا في تلك الحالات القليلة، بوصفها حرّية تغيير المذهب، مقابل عشرات الحالات التي تعرّضت فيها حرّية المرأة الشخصية في اللباس والتجمّل والأكل والشرب للتقييد، في صورة تُبرز بشكل فاضح ازدواجية المعايير المتبعة التي من شأنها الإبقاء على مجتمع هشّ غير قادر على قبول الاختلاف بين مكوّناته.
تجاهل واقع نساء سورية مؤشّر إلى انهيار أخلاقي لدى جماعات متسلّطة تنتج السيطرة الأبوية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك