يعد اللقاء بين اليابان وهولندا في نهائيات كأس العالم مواجهة مألوفة تتكرر بانتظام، رغم انتماء كل منتخب إلى قارة مختلفة؛ إذ تتحوّل البطولة العالمية إلى مسرح يجمع بينهما مجددًا، بما في ذلك في نسخة 2026.
وإذا سألت مشجعًا عن أبرز محطات التاريخ الكروي المشترك بين المنتخبين، فستستحضر ذاكرته على الأغلب المواجهة التي جمعتهما في مونديال 2010 بجنوب إفريقيا.
أوقعتهما القرعة في المجموعة الخامسة، وتلاقيا في دور المجموعات بمدينة ديربان، حيث انتهى اللقاء بفوز هولندا بنتيجة 1 / صفر، لكن هذه النتيجة لا تعكس كل تفاصيل المباراة ولا حجم التوازن الذي طبع دقائقها.
واجهت اليابان منتخبًا هولنديًا تميّز بالميل إلى استحواذ الكرة وفرض إيقاعه الهجومي، فاختارت طريقًا تكتيكيًا يعتمد على ترتيب دفاعي محكم والاعتماد على المرتدات المنظمة لاستغلال الفرص عند تراجع الخصم.
التزام اللاعبين اليابانيين بهذا الأسلوب الدفاعي والانضباط الجماعي أبقى اللقاء متماسكًا ومشحونًا حتى صافرة النهاية.
وفي الشوط الثاني جاءت لحظة حاسمة بفعل لمسة فردية من خارج الصندوق: تسديدة قوية أطلقها صانع الألعاب الهولندي ويسلي شنايدر اخترقت التنظيم الياباني وقررت نتيجة اللقاء.
لكن حاجة اللقاء إلى هذه الفاصلة الفردية تؤكد مدى التنافسية والتقارب في المستويات بين المنتخبين آنذاك، وهو أمر عبّر عنه شنايدر نفسه حين وصف اليابان بأنها من أصعب الفرق التي واجهها الفريق خلال البطولة، مما اضطر لاعبي هولندا إلى تقديم أقصى ما لديهم طوال التسعين دقيقة من أجل حصد النقاط.
هذا الانتصار لم يكن مجرد نتيجة إيجابية في دور المجموعات بالنسبة لهولندا، بل مثّل نقطة تحوّل ومصدرًا للثقة اللازمة للاستمرار في المسار نحو الأدوار الإقصائية وحتى نهائي البطولة أمام إسبانيا.
على الطريق إلى المباراة النهائية، نجح المنتخب الهولندي في تجاوز خصوم أقوياء، وكانت المواجهات في دور المجموعات، وعلى رأسها مواجهة اليابان، بمثابة أسس قوية بُني عليها هذا العبور والتماسك النفسي والعملي للفريق.
ويرجع الترابط بين اليابان وهولندا في الملعب إلى جذور أعمق تمتد خارج مباريات المنتخبات فقط.
يتجلى ذلك بوضوح في تأثير الدوري الهولندي الممتاز (إيريديفيزي) على تطور المواهب اليابانية؛ فعدد لا يستهان به من اللاعبين اليابانيين خاضوا تجربة الاحتراف في هولندا، وصقلت تلك السنوات مهاراتهم الفنية والتكتيكية، ومكنتهم من التكيّف مع طابع اللعبة الأوروبي السريع والمكثّف.
هذه الخبرة انعكست بشكل مباشر على قدرات المنتخب الياباني الوطني وأسلوبه على المستويين الفردي والجماعي.
في مقدمة هؤلاء اللاعبين يقف شينجي أونو كرمز وممهد لهذا التوجه.
حين انتقل إلى فينورد عام 2001، قدم مستوى فنيًا لافتًا ساهم في فوز الفريق بكأس الاتحاد الأوروبي موسم 2001 / 2002، ليصبح أول ياباني يتوّج بلقب أوروبي كبير.
مسيرته هناك لم تكن مجرد نجاح شخصي، بل فتحت آفاقًا أمام لاعبين آخرين من اليابان لإثبات جدارتهم في ملاعب أوروبا، وبالتالي أثّرت في الثقافة الكروية اليابانية بأكملها.
وتابع الجيلان التاليان درب أونو: تشكيلة اليابان الحالية تضم عددًا من اللاعبين المنتظمين في الدوري الهولندي، مثل المهاجم أيازي أويدا وتسويشي واتانابي من فينورد، وثنائي نيميجن كوكي أوجاوا وكوداي سانو، إضافة إلى تاكيهيرو تومياسو لاعب أياكس الذي انضم مؤخرًا إلى مواطنه كو إيتاكورا في ملعب يوهان كرويف.
كما يمتلك ريتسو دوان وكيتو ناكامورا تجارب سابقة في هولندا.
يُظهر هذا التدفق المتواصل كيف ساهمت البيئة الهولندية التنافسية والتركيز على التطوير في إخراج أفضل ما لدى العديد من نجوم اليابان وبناء قدرات فنية تكتيكية متينة قادرة على منافسة أقوى الفرق.
تلاقت هذه الوقائع مع تصريحات المدرب الهولندي رونالد كومان عقب سحب قرعة مجموعة كأس العالم الحالية، حين اعترف بصعوبة المواجهة أمام اليابان وتقديره الكبير لهم كمنافسين، وأكد كومان أن اليابان منتخب مميز وربما أقوى مما يعتقد كثيرون من المشجعين الهولنديين، وأن الاستعداد الجيد والوقت الكافي للتجهيز سيكونان عاملين أساسيين لمواجهة متوقعة أن تكون صعبة وممتعة للجماهير.
وفي تقييمه العام أشار إلى أن اليابان باتت من أكثر المنتخبات إثارة للاهتمام على الساحة الدولية.
وبالعودة إلى سياق كأس العالم ككل، يتجاوز الرابط بين اليابان وهولندا كونه مجرد لقاء واحد؛ فنجاح اللاعبين اليابانيين في الاحتراف بهولندا وما اكتسبوه هناك من خبرات أثر بوضوح في تطور المنتخب الياباني وجعله خصمًا لا يستهان به، مما حوّل اللقاءات بين المنتخبين إلى تقليد كروي يعكس تداخل المسارات الاحترافية والتاريخية.
وما بدا واضحًا في نهائيات 2010 من إمكانات وانتشار لفكرة التماسك التكتيكي لدى اليابان، تجلى اليوم بصورة أوسع مع النضج الذي وصل إليه اللاعبون وتواصل هذا الفصل الجديد في تاريخ العلاقة بين الكرة اليابانية والهولندية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك