فتحت السلطات القضائية الإسبانية واحدة من أخطر قضايا الفساد السياسي في تاريخ البلاد الحديث، بعدما وجّه قاضي المحكمة الوطنية الإسبانية اتهامات رسمية إلى رئيس الوزراء الأسبق خوسيه لويس رودريغيث ثاباتيرو، للاشتباه في قيادته شبكة منظمة للاتجار بالنفوذ وغسل الأموال مرتبطة بعملية الإنقاذ الحكومي لشركة الطيران" بلس ألترا" عقب جائحة كورونا.
وأصدر قاضي التحقيق خوسيه لويس كالاما، اليوم الثلاثاء، قراراً باستدعاء ثاباتيرو للمثول أمام القضاء في الثاني من يونيو/ حزيران المقبل بصفته مشتبهاً به، ضمن تحقيقات تتعلق بجرائم الانتماء إلى منظمة إجرامية، والاتجار بالنفوذ، وتزوير وثائق، على خلفية شبهة غسل أموال مرتبطة بحزمة دعم حكومية بلغت 53 مليون يورو مُنحت لشركة الطيران عام 2021.
وهذه المرة الأولى منذ عودة الديمقراطية في إسبانيا التي يخضع فيها رئيس حكومة سابق لتحقيق قضائي في قضية فساد بهذا الحجم.
ونفذت وحدة الجرائم الاقتصادية والمالية التابعة للشرطة الوطنية الإسبانية عمليات تفتيش طاولت مكتب ثاباتيرو في مدريد، إلى جانب شركة" وات ذا فاف" المملوكة لابنتيه، فضلاً عن شركة" إنتليخينثيا بروسبكتيفا" المرتبطة بعائلة فنزويلية.
كذلك طلب المحققون معلومات من الهيئة الحكومية للمساهمات الصناعية (سيبي)، وهي الجهة التي وافقت على منح المساعدة المالية لشركة" بلس ألترا"، إضافة إلى شركة البناء" ألديسا" ذات العلاقات الاستثمارية مع الصين.
وبحسب التحقيقات، يعتقد القضاء أن الشبكة استخدمت شركات واجهة وعقوداً استشارية صورية وقنوات مالية معقدة لإخفاء مسار الأموال وتحقيق مكاسب مالية لأطراف مرتبطة بالقضية.
وأشار القاضي كالاما في قراره إلى أن الشبكة المشتبه بها لم تكن تقتصر على إسبانيا فقط، بل امتدت إلى الخارج عبر إنشاء شركة" أوف شور" في دبي تحمل اسم" لاندسايد دبي" أو" لاندسايد الشرق الأوسط".
ووفق التحقيقات، فإن هذه الشركة أُنشئت بعد توقيع عقد يمنح عمولة بنسبة 1% من قيمة خطة الإنقاذ الحكومية، أي نحو 530 ألف يورو، وهو ما أثار شبهات حول استخدامها لتحويل الأموال خارج إسبانيا.
ويشتبه القضاء في أن تأسيس الشركة جرى بتوجيهات من ثاباتيرو، ضمن هيكل مالي معقد يهدف إلى إخفاء حركة الأموال المرتبطة بالقضية.
ويرى قاضي التحقيق أن ثاباتيرو لعب" دوراً محورياً" في تسهيل حصول" بلس ألترا" على الدعم الحكومي، مستفيداً من علاقاته السياسية وقدرته على الوصول إلى كبار المسؤولين في الإدارة الإسبانية.
وتشير التحقيقات إلى وجود مسارين للتأثير داخل الحكومة الإسبانية آنذاك: الأول عبر وزير النقل السابق خوسيه لويس أبالوس، والثاني عبر ثاباتيرو الذي اعتُبر" العنصر الأكثر تأثيراً" داخل الشبكة.
وكشفت التحقيقات عن علاقات مالية بين شركة" بلس ألترا" وشركة استشارات تُدعى" أناليسيس ريليفانتي"، يملكها رجل الأعمال خوليو مارتينيث، الذي يُعد من المقربين من ثاباتيرو.
وتؤكد الوثائق القضائية أن شركة" أناليسيس ريليفانتي" حصلت على أموال من" بلس ألترا"، قبل أن تحول نحو 463 ألف يورو إلى ثاباتيرو مقابل خدمات وُصفت بأنها" استشارات عالمية".
وفي أول تعليق له بعد إعلان اتهامه، نفى ثاباتيرو أي تدخل لمصلحة شركة" بلس ألترا"، مؤكداً استعداده الكامل للتعاون مع القضاء الإسباني.
وقال في بيان مقتضب: " لم أقم مطلقاً بأي إجراء أو وساطة أمام أي إدارة عامة تتعلق بعملية إنقاذ بلس ألترا".
وكان ثاباتيرو قد أقرّ سابقاً بحصوله على أكثر من 400 ألف يورو خلال خمس سنوات مقابل أعمال استشارية لشركات خاصة، مؤكداً أن تلك الأعمال قانونية وموثقة.
وأثارت القضية صدمة سياسية واسعة في إسبانيا، خصوصاً أنها تطاول أحد أبرز قادة الحزب الاشتراكي العمالي الإسباني.
ودافع رئيس الحكومة الحالي بيدرو سانشيز عن ثاباتيرو خلال اجتماع لقيادة الحزب الاشتراكي، واصفاً القضية بأنها تمر بـ" لحظات صعبة"، وداعياً أعضاء الحزب إلى" الدفاع عن السمعة الجيدة لثاباتيرو".
في المقابل، طالبت قيادة الحزب الشعبي المعارض سانشيز بالمثول أمام البرلمان لتقديم توضيحات بشأن القضية، لكنها استبعدت في الوقت الراهن التقدم بمذكرة حجب ثقة عن الحكومة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك