في أيلول 2025، عرض مبعوثو ترامب على إسرائيل خطة الرئيس الأمريكي لإنهاء الحرب في غزة.
المرحلة الأولى ألزمت حماس بإطلاق سراح جميع الرهائن، أحياءً وأمواتًا.
في المناقشات الحادة التي دارت بين البلدين عقب مبادرة الرئيس، أوضحت إسرائيل أن أحدث المعلومات الاستخباراتية التي بحوزتها تشير إلى نية قائد الجناح العسكري لحماس في غزة، عز الدين الحداد، التهرب من التنفيذ الكامل لهذا الشرط الأساسي.
وكان الرد الأمريكي حاسمًا: “نتفهم تقييمكم، وقد يكون مُبررًا.
طلبنا منكم بسيط: لا تُطالعوا التقارير الاستخباراتية في الأيام المقبلة، فمعلوماتنا الاستخباراتية أكثر موثوقية.
إنها “استخبارات بشرية”.
هؤلاء هم قادة الدولتين الوسيطتين، مصر وقطر، وهم على يقين بأن حماس لن تُعرقل الاتفاق”.
بالنظر إلى الثقة الكبيرة التي أبدتها الولايات المتحدة في هذا الشأن، فإسرائيل مُحقة في اختبار حماس.
كانت خطوة مُرحَّباً بها.
في أكتوبر، أُطلق سراح جميع الرهائن أحياء، وأُعيد آخر القتلى إلى إسرائيل في نهاية كانون الثاني 2026.
لقد شكّلت وثيقة ترامب المكونة من 20 بندًا لإعادة إعمار قطاع غزة، شريان حياة غير متوقع للحداد وشركائه.
بعد القضاء على الآلاف من إرهابيي حماس، بقيادة كبار المسؤولين – إسماعيل هنية، ويحيى ومحمد السنوار، ومحمد ضيف، وصلاح العاروري، وغيرهم الكثير – كانت الرسالة واضحة: لن تسمح إسرائيل لمن ارتكبوا أكبر مجزرة بحق اليهود منذ المحرقة بالفرار من قبضتها، مهما طال الزمن.
والآن، مهّد البند السادس من خطة ترامب طريق هروب جديد ومفاجئ للإرهابيين، ينصّ على: “بعد إطلاق سراح جميع الرهائن، سيُمنح أعضاء حماس الذين يلتزمون بالتعايش السلمي ويسلمون أسلحتهم عفوًا عامًا.
وسيُمنح أعضاء حماس الراغبون في مغادرة غزة ممرًا آمنًا إلى الدول المستقبلة”.
لكن الحداد قرر المخاطرة بكل شيء.
اتضح أن استعداده هو التخلي عن ورقة الرهائن، مقابل الإفراج الموازي عن مئات القتلى الفلسطينيين، أما استئناف المساعدات الإنسانية الضخمة ووقف الأعمال العدائية، فكان مجرد استعراض مؤقت للمرونة.
في الأشهر التي تلت ذلك، بات واضحًا ليس لإسرائيل فحسب، بل أيضاً للولايات المتحدة، التي كانت حكيمة وحازمة مع حماس في الحفاظ على هويتها الجهادية.
هذه المرة، حتى “المعلومات الاستخباراتية البشرية” الموثوقة التي تلقاها ترامب من الدول الوسيطة لم تترك مجالًا للشك: حماس لا تفكر حتى في تغيير شكلها والتحول، كما فعلت منظمة التحرير الفلسطينية في وقتها، إلى حركة سياسية.
يتمسك قادتها، وعلى رأسهم الحداد، بالمناطق التي لا يزالون يسيطرون عليها، والتي تبلغ حوالي نصف مساحة قطاع غزة، ويركزون على تعميق سيطرتهم على السكان واستعادة القدرات والأنظمة العسكرية التي تضررت بشدة خلال الحرب.
لحسن الحظ، نجحت رؤية ترامب الطموحة في إنقاذ الرهائن، لكن ذلك لم يكن كافيًا لتحرير مليوني غزي من براثن طغيان حماس.
ومرة أخرى، اتضح جليًا أن المتعصبين المستعدين للتضحية بأرواحهم في سبيل تدمير إسرائيل لا يكترثون بمصير ملايين الأبرياء في قطاع غزة.
ولم يُغير انضمام دول عديدة، من بينها دول إسلامية وعربية، إلى الجهود المبذولة لتنفيذ المبادرة الأمريكية لإعادة إعمار غزة شيئًا.
فحماس تُعرقل المحادثات الرامية إلى صياغة اتفاقيات نزع سلاح القطاع، ما أثار تساؤلات حول قدرة “مجلس السلام”، الذي أطلقه ترامب رسميًا، على تنفيذ رؤيته الرائدة.
كان ينبغي محاسبة الحداد على جرائمه قبل 7 أكتوبر بزمن طويل.
فالهجمات التي قادها لعقود من النشاط الإرهابي الجامح تُجسد شخصيته العنيفة والمتعصبة والوحشية.
وقد نفّذ مهام متنوعة ببراعة، وحظي باحترام قادة حماس.
لاحقًا، انضم الحداد إلى الدائرة السرية، وكما كشفت وثائق عُثر عليها خلال الحرب، كان مشاركًا رئيسيًا في التحضير للمجزرة.
بعد 7 أكتوبر، دأب الحداد على وضع عدد من الرهائن بالقرب من المخابئ التي كان يقيم فيها، ليصعّب على الجيش الإسرائيلي قتله، وبذلك نجا طوال قرابة عامين من القتال.
إن النجاح في القضاء عليه يُنصف أجيالًا من الضحايا الإسرائيليين.
إلى أين نتجه؟ إن “خطة السلام لغزة” عزيزة جدًا على قلب ترامب؛ فهو يعتقد أن تطبيقها سيغير مصير المنطقة المنكوبة والمعذبة نحو الأفضل.
صحيح أن استخدام حماس لحق النقض (الفيتو) يُشكّل تحديًا له، لكنه لا يُضعف عزمه على تنفيذ رؤيته قيد أنملة.
هكذا ينبغي تفسير موافقته على الهجوم الإسرائيلي الدامي على مخبأ قائد حماس الأول في غزة، رغم أن وقف إطلاق النار، الذي بذل ترامب جهودًا حثيثة للترويج له، لا يزال ساريًا.
هناك بيان أمريكي واضح لا لبس فيه: سنواصل تنفيذ خطة النقاط العشرين، لكننا سنغير ترتيب العمليات.
ولأن الركيزة الأساسية للخطة، وهي نزع سلاح حماس، لا يمكن تأجيلها، فإن إعادة إعمار غزة ستبدأ مبدئياً في المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش الإسرائيلي.
ستكون هذه “غزة الجديدة”.
سيتم إزالة الأنقاض من المجمعات السكنية الكبيرة، وبناء البنية التحتية فيها ليتمكن سكان غزة من الانتقال إليها، متحررين من إرهاب نظام حماس وجرائمه.
وستُمنح إسرائيل حرية استئناف عملياتها في الأراضي التي لا تزال تحت سيطرة التنظيم الإرهابي، بالتنسيق مع الولايات المتحدة.
من المرجح أن يتم تكثيف الهجمات على حماس في المرحلة الأولى جواً، ولاحقاً، مع تحويل موارد الجيش الإسرائيلي من الساحتين الإيرانية واللبنانية، سيصبح من الممكن أيضاً تنفيذ عمليات برية.
بالطبع، ستؤثر طريقة انتهاء الصراع مع إيران على قدرة حماس على الصمود، لكن علامات الاستفهام حول الخطوات التي سيتخذها الرئيس الأمريكي لا تزال قائمة.
مع ذلك، فإن الخبرة المكتسبة خلال سنوات القتال الطويلة تقتضي منا عدم المبالغة في أهمية اغتيال الحداد.
فعلى مدى عقود من استهداف قياداتها، أثبتت حماس مرونتها؛ إذ تولى البدلاء المعينون مسبقًا مهام القادة والزعماء السابقين، وقد حدث هذا أيضاً في حرب “السيوف الحديدية”.
والخلاصة ليست في تجنب القضاء على مرتكبي المجازر الجماعية وعناصرهم، بل في إدراك أن هذا الإجراء بحد ذاته لا يضمن نصرًا حاسمًا في المعركة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك