سلسلة «حكاية بطل» التي تقدّمها القوات المسلحة ليست مجرد أعمال توثيقية تستعيد بطولات شهداء الجيش المصري، بل وثيقة وطنية تكشف حجم المعركة التي خاضتها الدولة المصرية في مواجهة الإرهاب، وحجم التضحيات التي قدّمها رجال آمنوا بأن حماية الوطن ليست مهمّة عابرة، وإنما قدر يُدفع ثمنه من الأرواح.
السلسلة لا تكتفي بسرد أسماء الشهداء أو تفاصيل العمليات العسكرية، لكنها تعيد تقديم معنى البطولة الحقيقي، بطولة لا تُصنع بالخطب والشعارات، بل تُولد في اللحظات التي يجد فيها الإنسان نفسه بين النجاة الشخصية والواجب الوطني، فيختار الوطن دون تردّد.
من «الرشاش» إلى «الصقر»، ومن «الزاهد» إلى «جودو» و«الصورة الأخيرة» و«بوابة الجنة» و«الدولفين» وغيرها، لم تكن تلك الألقاب مجرد أسماء داخل الوحدات القتالية، بل تحولت إلى عناوين لملاحم مصرية خالدة، سطّرها رجال أدركوا أن بقاء الدولة واستقرارها يستحقان التضحية مهما كان الثمن.
في إحدى الحلقات ظهر الرقيب الشهيد عمرو أسامة عليوة، الشهير بـ«الرشاش»، من أبطال الكتيبة 103 صاعقة، الذي استُشهد خلال مداهمة للعناصر الإرهابية في شمال سيناء عام 2022، كان شاباً لم يتجاوز الخامسة والعشرين من عمره، ترك وراءه أحلام الحياة العادية، واختار طريقاً أكثر صعوبة وشرفاً.
وفى واحدة من أكثر حلقات السلسلة إيلاماً، استعادت «حكاية بطل» ملحمة كمين كرم القواديس، المرتبطة باسم النقيب الشهيد محمد أبوغزالة.
ففي الرابع والعشرين من أكتوبر عام 2014، تعرّض الكمين لهجوم إرهابي ضخم بسيارة مفخّخة محمّلة بمواد شديدة الانفجار، في محاولة لكسر قبضة الدولة على شمال سيناء.
وبين ألسنة اللهب والدخان، لم يفكر «أبوغزالة» في النجاة بنفسه، بل جمع المصابين وسعى لتأمينهم، قبل أن يخوض اشتباكاً مباشراً مع العناصر الإرهابية حتى اللحظة الأخيرة، ليسقط شهيداً وهو يقاتل دفاعاً عن رفاقه.
لم تكن تلك الواقعة مجرد معركة عسكرية، بل تجسيداً لعقيدة الجيش المصري التي لا تعرف التخلي عن الواجب مهما بلغت التضحيات.
أما فيلم «الزاهد» فقد قدّم صورة مختلفة للمقاتل المصري من خلال سيرة المقدّم الشهيد أحمد إبراهيم الجمل، الذي قاد عمليات نوعية ضد البؤر التكفيرية في بئر العبد، إحدى أخطر مناطق المواجهة آنذاك، وحسب شهادات رفاقه، أدار الشهيد عملياته بثبات ودقة حتى اللحظة الأخيرة، قبل أن تنفجر عبوة ناسفة في مركبته أثناء تأمين القوات.
لم يكن «الزاهد» باحثاً عن بطولة تُروى، بل كان نموذجاً للضابط الذي يرى أن حماية الوطن واجب مقدس لا يحتمل التراجع أو الحسابات الشخصية.
في «الصورة الأخيرة»، بدا المشهد أكثر إنسانية وقسوة في آن واحد.
الرقيب أول الشهيد إبراهيم عبدالشافي الوليلي، أحد أبطال قوات المظلات، طلب من زميله قبل التحرّك إلى المهمة أن يلتقط له صورة، قائلاً: «دي آخر صورة»، بدت الكلمات حينها عابرة، لكنها تحولت لاحقاً إلى نبوءة مؤلمة.
وخلال مداهمة إحدى المزارع في جلبانة، اشتبك الشهيد مع العناصر الإرهابية، وأنقذ أحد زملائه المصابين، ثم عاد لاستكمال القتال حتى أصابته رصاصات الغدر في صدره، ليسقط شهيداً بعدما أسهم مع رفاقه في تصفية عشرات العناصر التكفيرية.
وهكذا تحولت تلك «الصورة الأخيرة» من مجرد ذكرى شخصية إلى رمز لجيل كامل من المقاتلين الذين سبقوا الجميع نحو الخطر حتى تبقى مصر آمنة.
في الحلقة التي حملت عنوان «الصقر»، برزت سيرة النقيب الشهيد محمد ياسر هوتش، أحد أبطال سلاح المظلات، والذي عرفه الجميع قائداً يسبق رجاله دائماً إلى مواقع الاشتباك.
وقبل استشهاده بساعات، تحدّث مع أسرته ووعدهم بالعودة، لكنه عاد محمولاً على الأعناق شهيداً.
وخلال اقتحام إحدى البؤر الإرهابية في سيناء، أصر على المشاركة في الصفوف الأمامية رغم المخاطر، وتمكن من القضاء على عناصر إرهابية قبل أن تصيبه رصاصة غادرة.
ويروي رفاقه أنه لم يكن مجرد مقاتل شرس، بل كان إنساناً استثنائياً في تعامله مع جنوده والأهالي، مؤمناً بأن أخلاق المقاتل جزء أصيل من شرف المعركة.
كما وثقت السلسلة قصة النقيب الشهيد محمد عمرو الطاهر، أحد أبطال الكتيبة 103 صاعقة، في فيلم «جودو»، الضابط الشاب الذي عُرف بالانضباط الصارم والشجاعة الهادئة، ظل في مقدمة الصفوف خلال العمليات ضد الإرهاب حتى استُشهد في بئر العبد عام 2021، تاركاً خلفه سيرة تختصر ملامح جيل كامل من ضباط الجيش الذين تعاملوا مع المعركة، باعتبارها قضية وجود لا مجرد مهمة عسكرية.
وتبقى «بوابة الجنة» واحدة من أكثر حلقات السلسلة تأثيراً، إذ روت بطولة العقيد أركان حرب الشهيد عاصم محمد عصام الدين، قائد الكتيبة 103 صاعقة، الذي خرج مع رجاله لتعقّب العناصر الإرهابية، وقاتل حتى اللحظة الأخيرة قبل أن يرتقي شهيداً إثر انفجار حزام ناسف قُرب مركبته.
وفي تلك الحلقة، تردّدت العبارة التي لخّصت تاريخ الكتيبة «103 صاعقة هي بوابة الجنة»، بعدما قدّمت قادتها شهداء، من بينهم أحمد منسي ورامي حسنين.
ويكفي أن تطلق لنفسك عنان العالم الأسطوري عندما تسمع بطولات الرقيب محمد قطب (الصياد) والرائد محمد غنيم (صخر)، والمساعد صلاح جمال (الحكيم)، والعقيد مصطفى نجيب (الدولفين)، والنقيب محمد هاني (البشوش).
وحكايات أبطال قبلهم وبعدهم كتبوا دستور الجمهورية الجديدة بدمائهم.
غير أن الرسالة الأهم التي تحملها «حكاية بطل» ليست فقط توثيق البطولات، بل التأكيد أن ما جرى على أرض سيناء لم يكن حرباً عابرة ضد الإرهاب، وإنما معركة وجود خاضتها الدولة المصرية دفاعاً عن حق شعب كامل في الحياة والاستقرار.
فخلف كل اسم شهيد، هناك آلاف القصص التي لم تُروَ بعد، وآلاف المواقف التي تكشف كيف وقف رجال القوات المسلحة سداً منيعاً أمام مخططات الفوضى والدمار.
لقد كتب هؤلاء الشهداء، بدمائهم، دستوراً جديداً لمعاني التضحية والفداء، دستوراً لم يُصغ بالحبر والكلمات، بل خُطّ بدماء رجال آمنوا بأن الوطن يستحق أن يُحمى حتى آخر نفس، ولهذا ستظل حكاياتهم حاضرة في ذاكرة المصريين، ليس باعتبارها قصصاً عن الموت، بل باعتبارها دروساً خالدة في الشرف والواجب والانتماء.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك