ليس الصراع بين أمريكا وإيران مجرد مواجهة سياسية عابرة، ولا نزاع تقليدي حول النفوذ أو العقوبات أو توازنات القوة، فجوهر الصراع أعمق من ذلك بكثير، إنه صراع على رواية منطقة الشرق الأوسط نفسها، مَن يملك حق تعريف المنطقة؟ ومَن يكتب تاريخها القادم؟فالتاريخ لم يكن يوماً سجلاً محايداً للأحداث، بل كان في كثير من الأحيان امتداداً مباشراً للقوة، فالمنتصر لا يكتفي فقط بحسم المعركة في الميدان، بل يسعى أيضاً إلى احتكار تفسيرها، وإعادة صياغة معناها، وتقديم نفسه باعتباره ممثل الاستقرار والشرعية والحقيقة، لهذا يحسم كثير من المعارك الكبرى داخل الوعي قبل أن تُحسم على الأرض.
من هنا يمكن فهم كثير من صراعات العالم المعاصر، وفي مقدمتها الصراع الأمريكي - الإيراني، حيث تبدو المواجهة الأمريكية - الإيرانية أقرب إلى صراع سرديات متنافسة، أكثر من كونها مجرد صراع نفوذ تقليدي، فمن يملك التأثير في الوعي سيكون هو الأقدر على قيادة دفة التاريخ.
إن إيران لا ترى نفسها دولة إقليمية عادية، بل مشروعاً سياسياً وحضارياً يسعى لاستعادة دور تاريخي ممتد في الشرق الأوسط، مستنداً إلى خطاب الهوية والمقاومة والنفوذ الثقافي والديني، وهذا لن يكون إلا بخلق دور أوسع في الشرق الأوسط، وفي المقابل تنظر الولايات المتحدة إلى إيران بوصفها تحدياً محتملاً لتوازنات إقليمية تشكلت عبر عقود من التحالفات والنفوذ الأمريكي في المنطقة.
لهذا لم يعد الإعلام مجرد وسيلة نقل للأحداث، بل أصبح جزءاً من بنية الصراع ذاتها، فالحروب الحديثة لا تُخاض بالسلاح فقط، وإنما تُخاض أيضاً عبر الصورة والخبر والتحليل والرواية القادرة على التأثير في الوعي الجمعي للشعوب.
وفي المنتصف تقف شعوب الشرق الأوسط بين روايتين متنافستين، لكل منهما أدواتها الإعلامية والسياسية وقدرتها على تشكيل الإدراك العام، وربما لهذا السبب ظل الشرق الأوسط عبر التاريخ ساحة مركزية لاختبار قوة الإمبراطوريات وحدود قدرتها على الاستمرار، فمن الفرس والرومان إلى العثمانيين والبريطانيين، وصولاً إلى القوى الكبرى الحديثة، كانت المنطقة دائماً نقطة اختبار معقدة للطموحات الدولية، والمفارقة أن قوى كثيرة دخلت الشرق الأوسط وهي تتصور قدرتها على إعادة تشكيله بالكامل، ثم خرجت منه أكثر انكساراً، بعدما اصطدمت بتعقيداته الجغرافية والسياسية والاجتماعية.
ورغم ما يبدو على المنطقة من انقسامات وصراعات مزمنة، فإنها لا تزال قادرة على تعطيل مشاريع الهيمنة المطلقة، وتحويل التفوق العسكري أحياناً إلى عبء استراتيجي طويل الأمد، وفي قلب هذا المشهد، يبرز سؤال أكثر عمقاً هل ما نراه هو الحقيقة فعلاً، أم الرواية التي نجحت القوة في فرضها؟ومن هنا جاءت المقولة الشهيرة: «التاريخ يكتبه المنتصرون»، لكن امتلاك القوة لا يعني دائماً امتلاك الحقيقة، كما أن الهزيمة لا تعني بالضرورة سقوط الفكرة أو بطلان القضية، فكثير من الشعوب المهزومة احتفظت، رغم خسائرها، بقدرتها على البقاء داخل الذاكرة الإنسانية، لأن الحقيقة لا تختفي بالكامل حتى عندما تُهزم سياسياً أو عسكرياً.
كما أنه لولا الرسالات السماوية، لربما وصل لنا بعض تاريخ البشرية برواية ناقصة عن الإنسان، ولتحرف بداخلنا معنى الطغيان، وتداخل الخير مع الشر، ولما استطعنا التفريق بين القوة وغياب الضمير، فالرسالات السماوية لم تُقدم التاريخ بوصفه تمجيداً للملوك والحضارات، بل باعتباره اختباراً أخلاقياً للإنسان.
إن منطق القوة المادية الملموسة يختلف تماماً عن منطق الحق والجمال والطهارة، فالقوة أحياناً كثيرة لا تعبر عن الحق، وفي هذا السياق، يقدم النص القرآني مثالاً على نمط متكرر عبر التاريخ: ﴿مَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَن قَالُوا أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾.
وهنا يبرز السؤال الأعمق: هل ما نراه هو الحقيقة أم الرواية التي نجحت القوة في تثبيتها؟ فالتاريخ منذ خط خطوطه الأولى مال إلى تمجيد المنتصرين، فكتب انتصارات ملوكهم على الجدران، بينما غابت عن تلك الجدران أصوات المهزومين، حتى حين روى هزائمهم ذكرها باعتبارها مقدمات لانتصارات لاحقة، رواية تؤكد قدرتهم على الانتصار رغم الهزيمة، وكأن التاريخ يمنح القوة امتياز البقاء في موقع البطل، حتى في لحظات سقوطه.
ربما لهذا السبب تبدو صراعات الشرق الأوسط اليوم أكبر من مجرد تنافس دولي، إنها صراع على الذاكرة، على تعريف المعنى، وعلى صورة المستقبل نفسه، من يحدد من هو الشرير ومن هو المنقذ؟ من يقرر ما يرى وما ينسى؟ من يملك حق كتابة الفصل القادم من تاريخ المنطقة؟إن كثيراً من الشعوب المهزومة كانت أكثر تمسكاً بالقيم الإنسانية من منتصريها، لكن أصواتها غابت لأن المنتصر فقط هو من يملك السرد، ومع ذلك تبقى الحقيقة عبر الذاكرة الجمعية، في روايات الشعوب، وفي طبقات الوعي التي لا تخضع لهيمنة القوة.
قد تستطيع القوة أن تكتب التاريخ لفترة، لكنها لا تستطيع احتكار الحقيقة إلى الأبد، فالحقيقة قد تتأخر، لكنها تظل قادرة على الظهور حين تجد من يرويها، وفي عالم تتصارع فيه الدول على النفوذ، تبقى الرواية في النهاية أحد أخطر أسلحة القوة، لأن من يملك الرواية يملك القدرة على صناعة الوعي.
تحياتي لأصحاب العقول الراقية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك