يتواصل تراجع إقبال الطلاب التونسيين على دراسة الرياضيات، رغم كونها أساسية في التكنولوجيا الحديثة، وتعتمد عليها قطاعات الأمن السيبراني والروبوتات والاقتصاد الرقمي.
قبل نحو عقدين، كانت شعبة الرياضيات هي بوابة التفوق العلمي في تونس، قبل أن تشهد تراجعاً لافتاً بينما يتجه العالم نحو اقتصاد المعرفة والاعتماد على الذكاء الاصطناعي والوظائف الرقمية، ما يهدد مستقبل البلاد التي طالما راهنت على الثروة البشرية.
ووفق معطيات وزارة التربية التونسية، فإن مترشحي البكالوريا من شعبة الرياضيات لهذا العام، والتي تُجرى اختباراتها في يونيو/حزيران القادم، لا يمثلون سوى 5% من مجموع المترشحين، بينما يمثل مترشحو شعبة الاقتصاد أكثر من 30%.
وتعكس هذه الأرقام مساراً تنازلياً متواصلاً لعدد تلاميذ شعبة الرياضيات، والتي كانت تبلغ نحو 22.
7 % من مجموع المترشحين قبل 25 سنة، رغم أنها تحقق أعلى نسب نجاح وطنية تصل إلى 80%.
وتعتبر شعبة الرياضيات المفتاح الذهبي لمرحلة التعليم العالي في تونس، إذ توفر لمنتسبيها الأولوية في الالتحاق بكليات الهندسة والتكنولوجيا، ويعتبر خبراء تربويون أن هذا التراجع لا يرتبط فقط بصعوبة الدراسة، بل أيضاً بتراجع المكتسبات الأساسية في مادة الرياضيات منذ المرحلة الابتدائية.
يقول رئيس الجمعية التونسية لجودة التعليم، سليم قاسم، إن" شعبة الرياضيات التي كانت لعقود عنوان التميّز المدرسي وخزان النخب العلمية تعيش اليوم حالة تراجع مقلق، إذ كانت حتى وقت غير بعيد الوجهة الطبيعية للتلاميذ المتفوّقين، والممرّ الرئيسي نحو دراسة الهندسة والعلوم وشعب البحث العلمي".
ويؤكد لـ" العربي الجديد"، أن" الانتماء إلى شعبة الرياضيات كان يُنظر إليه بوصفه خياراً للنخبة الأكاديمية، ودليلاً على التميز والطموح، غير أن السياسات التربوية أضعفت جاذبية هذه الشعبة بدل أن تدعمها".
ويضيف قاسم: " أصبح تلاميذ شعبة الرياضيات ضحايا تمييز سلبي رغم تفوقهم، فمن جهة، ظلّت اختبارات البكالوريا في هذه الشعبة تُصاغ بدرجة عالية من الصعوبة، ما يجعل الحصول على معدلات مرتفعة أكثر تعقيداً مقارنة بالشعب الأخرى، ومن جهة ثانية، تقلّص عدد المقاعد الجامعية المخصصة لحاملي بكالوريا الرياضيات في الاختصاصات المرموقة، ما أضعف الحافز لدى التلاميذ وأوليائهم.
الاحجام عن شعبة الرياضيات، والتحول إلى شعب أخرى مثل العلوم التجريبية، والإعلامية، والاقتصاد، بدأت قبل سنوات بعد أن أصبحت هذه الشعب تمنح الطلاب إمكانية النجاح بأقل جهد، مع التحاق جامعي أفضل".
ويحذر الأكاديمي التونسي معز خذر من أن" تراجع إقبال التلاميذ المتفوقين على دراسة الرياضيات سيؤدي مستقبلاً إلى تقلص عدد الطلبة في الهندسة وغيرها من الكليات العلمية، ما قد يضعف القدرة التنافسية للاقتصاد التونسي، ويعمق أزمة نقص الكفاءات في القطاعات التكنولوجية".
ويوضح لـ" العربي الجديد"، أن" إنقاذ هذه الشعبة يتطلب إصلاحاً عميقاً لمنظومة التعليم، يبدأ بتحسين تدريس الرياضيات منذ سنوات التعلم الأولى، وتخفيف الفجوة بين البرامج التعليمية وسوق الشغل، إلى جانب مراجعة آليات التوجيه المدرسي، وتحفيز التلاميذ على الالتحاق بالمسارات العلمية عبر منح وفرص تشغيل".
وتتشكل منظومة البكالوريا في تونس من سبع شعب رئيسية، وهي الآداب، والاقتصاد، والعلوم التجريبية، والرياضيات، والعلوم التقنية، وعلوم الإعلامية، والرياضة.
غير أن التوازن بين هذه الشعب تغير بشكل واضح خلال السنوات الأخيرة، مع صعود لافت لشعبة الاقتصاد في مقابل تراجع الشعب العلمية، وخاصة الرياضيات.
ويشير الخبير التربوي سليم قاسم إلى أزمة نقص حاد في مدرّسي الرياضيات، ويوضح أن" هذه الأزمة ظهرت بوضوح خلال السنة الدراسية الحالية، حين اضطرت المنظومة التربوية إلى الاستعانة بأساتذة العلوم الفيزيائية لتدريس الرياضيات، وهو حلّ ظرفي قد يبدو عملياً، لكنه يحمل مخاطر كبيرة على جودة تدريس المادتين معاً، لأن لكلّ تخصّص منطقه العلمي وبيداغوجيته الخاصة.
نقص مدرسي الرياضيات في المرحلة الثانوية يجبر الطلاب على التنقل مسافات طويلة من أجل الالتحاق بمعاهد تدرس فيها هذه الشعبة، ما خلق صعوبات إضافية".
ويعتقد قاسم أن" أزمة تعليم الرياضيات تبدأ قبل مرحلة الثانوية، وقد تبدأ في مراحل التعليم الابتدائي، إذ تعاني هذه المادة من صعوبات بنيوية في طرق التدريس تجعلها مرتبطة بالخوف والضغوط لدى عدد كبير من الأطفال أكثر من ارتباطها بالاكتشاف والمتعة الفكرية".
ويثير تراجع مكاسب التونسيين في مادة الرياضيات مخاوف متزايدة بشأن مستقبل المهن التكنولوجية والهندسية، خاصة مع الطلب العالمي المتصاعد على الاختصاصات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات والبرمجة والهندسة الرقمية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك