لم يعد ذهاب المرضى الإيرانيين إلى الصيدلية مجرد خطوة اعتيادية لشراء الدواء، إذ تحول إلى تجربة مليئة بالقلق، ومحملة بالأسئلة التي لا جواب لها في ظل الظروف الاستثنائية التي تعيشها البلاد.
يقف الإيراني أحمد رضوي أمام شباك صيدلية في وسط العاصمة طهران، حاملاً وصفته الطبية، يراقب حركة الناس بقلق، والسؤال الذي يشغله ليس جديداً، لكنه أصبح أكثر إلحاحاً خلال الأشهر الأخيرة: هل سيجد الدواء في الصيدلية هذه المرة؟ وإذا وجده، فهل سيتمكن من دفع ثمنه؟يعاني رضوي (55 سنة) من نقص في المناعة، وترتبط سلامته بدواء يداوم عليه.
يقول لـ" العربي الجديد": " قبل ثلاثة أشهر كنت أشتري حقنة الدواء المستوردة من هولندا بنحو 800 ألف ريال.
اليوم أصبح سعرها مع التأمين نحو 133 مليون ريال، ومن دون التأمين تصل إلى 310 ملايين ريال (الدولار يساوي مليونا و314 ألف ريال).
أحتاج إلى ثلاث حقن شهرياً، ما يعني أن كلفة الدواء وحده تتجاوز قدراتي المالية الشهرية بكثير، فالمبلغ المطلوب يعادل أضعاف راتبي، ولا أعرف كيف يمكنني الاستمرار في تلقي العلاج في ظل هذا الغلاء.
تمكنت خلال الشهر الماضي من شراء حقنة واحدة، ما أثر على حالتي الصحية".
وتكررت شكاوى المرضى في مدن مختلفة من ارتفاع أسعار الأدوية، أو عدم توفر بعضها في الصيدليات، ليجد كثيرون أنفسهم أمام معركة جديدة لا تقل صعوبة عن معاناة المرض نفسه.
إذ إنه إلى جانب الضغوط الاقتصادية والمعيشية القائمة منذ عقود، أدى تضرر بعض المنشآت الدوائية نتيجة الحرب إلى تعطل خطوط الإنتاج، مع تفاقم صعوبات الاستيراد نتيجة الحصار المفروض، ما تسبب في زيادة حدة الأزمة.
من مدينة مهاباد غربي إيران، يقول الصيدلي صلاح الدين خديو، إن سوق الدواء شهد تغيرات حادة خلال الفترة الأخيرة.
ويوضح لـ" العربي الجديد": " شهدنا خلال الشهرين الماضيين ارتفاعاً غير اعتيادي في أسعار الأدوية، وزادت أسعار نحو 400 صنف دواء خلال الأيام العشرة الأولى من مارس/آذار الماضي، بنسبة تراوحت بين 30 إلى 40%، ووصلت الزيادة في بعض الأصناف إلى نحو 100%، بينما هناك أصناف محدودة شهدت قفزات كبيرة في الأسعار، من بينها مضاد حيوي واسع الاستخدام يُعرف باسم (سكسيم) ارتفع سعره من نحو 650 ألف ريال إيراني إلى قرابة 2 مليون و200 ألف ريال".
ولا تقتصر الأزمة على ارتفاع الأسعار، بل تمتد إلى نقص بعض الأدوية في الصيدليات.
ويؤكد الصيدلاني خديو أن" مشكلة نقص الأدوية كانت قائمة في السابق، وإن بدرجات متفاوتة، لكنها تفاقمت بسبب الحرب الأخيرة، ليشمل النقص عدداً أكبر من الأدوية.
أصبح من الصعب على الصيدليات توفير جميع الأدوية الموجودة في الوصفات الطبية، وفي كثير من الأحيان يخرج المريض من الصيدلية وهو يحمل أقل من نصف الدواء الذي يحتاجه".
من بين الأدوية التي يشكو المرضى من نقصها" كلوبيدوغريل" المستخدم لمرضى القلب، خصوصاً لمن خضعوا لعمليات تركيب الدعامات أو جراحات القلب المفتوح، وهذا الصنف لم يتم توزيعه على الصيدليات في بعض المناطق منذ نحو ثلاثة أشهر.
كما يواجه مرضى السكري صعوبات في الحصول على بعض أنواع الإنسولين، خصوصاً المستوردة منها، بينما الإنسولين المنتج محلياً متوافر، وإن كانت الكميات المتاحة منه أقل من السابق، لكن الأصناف الأجنبية أصبحت نادرة في السوق، أو تباع بأضعاف أسعارها، وفي السوق غير الرسمية.
ويتحدث الصيدلاني صلاح الدين خديو عن مثال فج، إذ كانت عبوة الإنسولين القلمي المنتج محلياً، والتي تحتوي على خمسة أقلام، تُباع في مارس الماضي بنحو 15 مليون ريال إيراني، بينما وصل سعرها حالياً إلى نحو 78 مليوناً و500 ألف ريال.
في ظل هذه الظروف الصعبة، يشعر الكثير من المرضى بقلق متزايد بشأن إمكانية توفير علاجهم.
تقول الإيرانية زينب، وهي مصابة بمرض التصلب المتعدد، لـ" العربي الجديد"، إن مخاوفها لم تعد تنحصر في المرض نفسه، بل امتدت إلى القدرة على تأمين الدواء.
وتوضح: " أصبت بالمرض قبل خمس سنوات، لكن أكثر ما يقلقني حالياً هو تأمين الأدوية بسبب النقص القائم، وارتفاع الأسعار المبالغ فيه".
وتضيف: " التنقل المستمر بين الأطباء والمراكز الطبية يرهقني جسدياً ونفسياً، خاصة في الأيام التي تكون فيها حالتي الصحية متردية.
الضغط النفسي أصعب أحياناً من المرض نفسه، وفكرة أنني لا أعرف ماذا سيحدث غداً مرعبة".
من أمام صيدلية في شارع كريم خان بوسط طهران، تروي أم لطفلة مصابة بالثلاسيميا قصتها مع المعاناة اليومية.
تقول لـ" العربي الجديد"، إن ابنتها البالغة عشر سنوات شُخصت بالثلاسيميا منذ أن كانت في الرابعة.
وتضيف: " في السابق، لم نكن نواجه صعوبة كبيرة في الحصول على الأدوية، لكن خلال الأشهر الأخيرة، خصوصاً بعد اندلاع الحرب، أصبح العثور على بعض الأدوية صعباً للغاية، وإذا وُجدت الأدوية فإن أسعارها باهظة.
نحاول أن نخفف عن ابنتنا قدر ما نستطيع، لكننا نشعر أحياناً أننا لم نعد قادرين على تحمّل هذا الوضع".
ومن غرب طهران، يقول مسؤول عن إحدى الصيدليات إن نقص بعض الأدوية والارتفاع الكبير في الأسعار غيّرا سلوك المرضى.
ويضيف: " في الماضي كان المريض يسأل أولاً عن منتج الدواء، وعن جودته، أما اليوم فأول سؤال يطرحه هو هل الدواء موجود؟ ثم كم سعره؟ وبعض العائلات أصبحت تضطر إلى تأجيل شراء أدوية ضرورية بسبب عدم قدرتها على دفع ثمنها، ما يزيد من الضغوط النفسية على المرضى وأسرهم".
وتسببت الحرب في أضرار مباشرة بالبنية التحتية للقطاع الدوائي، إذ تعطّل الإنتاج في عدد من المصانع، وتضررت مخازن للأدوية والمواد الأولية.
ووفق بيانات رسمية، تعرضت نحو 25 وحدة ومنشأة دوائية لهجمات مباشرة أو غير مباشرة، من بينها شركتا" توفيق دارو" و" معهد باستور"، وبعض المصانع توقفت عن العمل لفترة وصلت إلى الشهرين، بينما أدى انخفاض الطاقة الإنتاجية وتقلص نوبات العمل إلى تراجع الإمدادات في السوق.
إلى جانب كل ذلك، تواجه الصيدليات أزمة سيولة حادة بسبب تأخر شركات التأمين في سداد مستحقاتها.
ويقول الصيدلي خديو: " شركات التأمين لم تسدد مستحقاتنا منذ أكثر من ستة أشهر، والأموال المستحقة منذ أكتوبر/تشرين الأول ونوفمبر/تشرين الثاني 2025، فقدت جزءاً كبيراً من قيمتها بسبب حجم التضخم القائم.
المبالغ التي كانت تكفي في السابق لشراء كميات كبيرة من الأدوية لم تعد اليوم تكفي إلا لشراء نحو ثلث تلك الكميات".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك