بعد عام ونصف العام من الاجتياح الدامي لقوات" الدعم السريع" مدينة الفاشر، عاصمة شمال دارفور في 26 أكتوبر (تشرين الأول) 2025، عاد اسم القائد الميداني، الفاتح عبدالله إدريس، الشهير بـ" أبو لولو"، الملقب أيضاً بـ" جزار الفاشر"، لكن ليس من داخل سجنه هذه المرة، بل من ميادين القتال في كردفان، بحسب وكالة" رويترز".
عاد" السفاح" المرتبط بتصفيات ميدانية جزافية وبملف الانتهاكات والعقوبات الدولية، لكن هذه المرة بتوجيهات تقضي بالتكتم والتزام الصمت وإبقاء عودته سراً بعيداً من كاميرات الهواتف.
فهل هناك علاقة غير مباشرة بين عودة" أبو لولو" وموجة الانشقاقات المتتالية والتململ المستمر الذي تعيشه قوات" الدعم السريع"؟ونفى بيان لـ" الدعم السريع" الإفراج عن" أبو لولو"، معتبراً أن" ما يثار عن إطلاق سراحه لا أساس له من الصحة على الإطلاق"، مشيراً إلى أن" محكمة خاصة ستتولى محاكمته مع متهمين آخرين بارتكاب انتهاكات في الفاشر".
وصف البيان الحديث عن الإفراج عن" أبو لولو" بـ" غير الصحيح والمغرض وعار من الصحة"، وأن الأخير والمتهمين الآخرين بارتكاب انتهاكات خلال معارك الفاشر موجودون قيد التوقيف في السجن منذ القبض عليهم، ولم يخرجوا أبداً من السجن.
وكانت وكالة" رويترز" قد نقلت عن أكثر من تسعة مصادر مختلفة تحدثوا لها تأكيدهم عودة" أبو لولو" الذي سبق وظهر في مقاطع فيديو عدة وهو ينفذ إعدامات ميدانية جزافية، أثارت موجة غضب عالمية.
وأكدت ثلاثة من المصادر، أن نائب قائد قوات" الدعم السريع"، عبدالرحيم دقلو، (شقيق حميدتي)، هو من أصدر شخصياً أمراً بالإفراج عن" أبو لولو".
ونقلت" رويترز" عن ضابط في" الدعم السريع" أنه" على رغم من أن اللجنة التأديبية لم تفرج عنه رسمياً، لكن أمر الإفراج جاء عبر رسالة لا سلكية مباشرة من نائب القائد".
وظهر" أبو لولو" في الأسبوع الأول من أكتوبر 2025، في فيديوهات عدة وهو يقوم بتصفيات جماعية مباشرة على الهواء في مشارف مدينة الفاشر، وهو يباشر بإطلاق الرصاص من بندقية كلاشينكوف على مجموعة من المدنيين الفارين من المدينة ويرديهم جميعاً قتلى مضرجين بدمائهم، ثم يُقسم في تسجيله صوتي أنه لن يتوقف عن القتل حتى يكمل ضحاياه العدد 2000.
وأنكرت" الدعم السريع" وقتها، على لسان المتحدث باسمها، المقدم الفاتح قرشي، معرفتها بمقاتل أو جندي يحمل اسم" أبو لولو" ضمن كشوفات قواتها، مؤكداً أن هناك تحقيقات وتحريات جارية حول الفيديوهات المنتشرة.
دفعت هذه الحادثة وانتشار الفيديو على نطاق واسع، " الدعم السريع" إلى إعلان تشكيل لجنة تحقيق لمعرفة ما إذا كان الفاعل الذي ظهر بالمقطع المصور ينتمي إلى قواتها أم لا، غير أنه لم يصدر عن اللجنة أي تقرير أو توضيح معلن حتى اليوم.
عسكرياً يرى المراقب العسكري نور الدين بشارة، أنه" في حال صحة التقارير عن إطلاق سراح أبو لولو وعودته إلى ميادين القتال في كردفان، فذلك يعكس الحجم الكبير للضغوط العسكرية والتنظيمية التي تواجهها قوات الدعم السريع".
ويرجح بشارة وجود علاقة غير مباشرة بين إعادة شخصيات قتالية مثل" أبو لولو" وموجة الانشقاقات أو التململ داخل بعض دوائر" الدعم السريع"، " لأن القادة الميدانيين في هذا النوع من التشكيلات يمثلون العمود الفقري الحقيقي للقوة، أكثر من الهياكل الرسمية".
لكن المراقب، يعتقد أن إفراج" الدعم السريع" عن قادة ميدانيين مثل" أبو لولو" المعروف بشخصيته الدموية، وإعادة إرسالهم إلى ساحات المعارك، يؤكد أن تلك القوات تواجه ضغوطاً عسكرية كبيرة على مستوى الميدان وعجزاً في القادة الميدانين المتشددين، إلى جانب صعوبة كبيرة في تعويض القيادات المفقودة بالسرعة المطلوبة لسد الفجوات في مسارح العمليات، خصوصاً بعد اتساع رقعة القتال وتعدد محاوره وجبهاته.
لا يستبعد بشارة، أن تكون خطوة إطلاق سراح" أبو لولو" ذات صلة وثيقة بالانشقاقات وتآكل القوة البشرية المستمر الذي تتعرض له تلك القوات، لا سيما وأنها خلفت عجزاً في القيادات الميدانية بسبب النزف المستمر الذي تعرضت له تلك القيادات خلال الشهور الأخيرة بسبب القتل والاغتيالات بالمسيرات.
ويردف، " كذلك تسببت الخسائر الميدانية، بتراجع النفوذ المحلي لبعض القادة، مما عمّق أزمة الفراغ في القيادات الميدانية، لا سيما داخل الوحدات التي تعتمد على الولاء القبلي أو الشخصي والخبرة القتالية أكثر من اعتمادها على التراتبية العسكرية التقليدية مع تصاعد الحاجة إلى مقاتلين ذوي خبرة قتالية".
وتابع المتحدث ذاته، أن" عودة شخصية دموية ومثيرة للجدل في هذا الوقت، تشير إلى أن أولوية الدعم السريع لم تعد الأخلاق أو الإنسانية بل تعويض النقص القتالي أكثر من اعتبارات أخرى، سياسية أو قانونية، وتؤكد أن تأثير الانشقاقات المعنوي والتنظيمي كان كبيراً ووصل إلى حد هز الثقة الداخلية لامس عصب أسس القانون والعدالة والانضباط، وهز تماسك القيادة وحكمتها في اتخاذ القرارات باتخاذ مثل هذا القرار".
وزاد، " أما ظهور شخصيات متهمة بجرائم في الواجهة مجدداً، فقد يدفع خصوم الدعم السريع إلى تشديد مواقفهم ورفض أي تسويات مرنة، كما يحرج الوسطاء الدوليين.
لكن في المقابل، هناك زاوية أخرى، فبعض الحركات والقوات المسلحة في الحروب الأهلية تعيد قادة ميدانيين متهمين بالانتهاكات عندما تتعرض لضغط عسكري، لأن الأولوية تصبح الفعالية القتالية لا السمعة الدولية.
والتقارير نفسها أشارت إلى أن بعض الضباط رأوا أن عودته قد ترفع معنويات المقاتلين".
على نحو متصل، قال المستشار بالأكاديمية العليا للدراسات الاستراتيجية والأمنية، اللواء معتصم عبدالقادر، إن" الدعم السريع رغم أنها تعيش ورطة الملاحقات الدولية القانونية، لكن يبدو أن المرحلة التي تمر بها حالياً من عدم وجود عناصر تقاتل بشراسة وتضبط وتمنع مزيداً من الانشقاقات، دفعت إلى الاستعانة بمثل أبو لولو الذي فقد القدرة على العيش الإنساني السليم، ولا يمكنه العيش إلا عبر مزيد من الانتهاكات والجرائم".
ويشير عبدالقادر، إلى" وجهة نظر أخرى ترى أن الدعم السريع تعد أن من مصلحتها الدفع بأبو لولو والتخلص منه في الميدان كعبء أخلاقي وقانوني عليها، كونه ملاحق دولياً من حوالى 10 مصادر مختلفة، لأن التخلص منه بأي وسيلة أخرى كالإعدام أو التصفية أو غيرها قد يفجر مشكلات قبلية كبيرة داخل فخذ عشيرة المحاميد، داخل قبيلة الرزيقات الأم نفسها التي ينتمي إليها قائد الدعم السريع (محمد حمدان دقلو)، التي تشكل معظم قوامها".
وإلى جانب النزف الكبير في القيادات الميدانية، وفرت الانشقاقات التي شملت مقربين من مركز صنع القرار داخل" الدعم السريع"، بحسب عبدالقادر، معلومات هائلة للجيش عن تحركاتها في كل الاتجاهات، الأمر الذي يستفيد منه الجيش في تعزيز تقدمه في كردفان وجبهات أخرى.
يتابع، " تعاني الدعم السريع إشكالية كبيرة منذ قبل الحرب وهي ارتكاز بنيتها الأساسية على الولاء القبلي والعشائري الذي تعمق أكثر بعد الحرب، وتسبب بالانشقاقات نتيجة الممارسات الداخلية تجاه عديد من العناصر من عشائر غير مقربة لقيادة تلك القوات، وعلى رغم مساهمتها الكبيرة وعطائها الملموس وقتالها مع الدعم السريع لفترات طويلة، لكنها تعاني التهميش، بل حتى الأسر التي دفعت بأبنائها تعاني أيضاً الإهمال وعدم الاهتمام".
ويلفت المستشار إلى أن" الدعم السريع تعاني عدم وجود ميزانية مخصصة للعمليات العسكرية لأن كل شيء متروك للقائد وتقديراته، ولم يتبق حول القائد الثاني للميليشيات، عبدالرحيم دقلو، سوى عدد قليل من أبناء دارفور في وقت تواجه صعوبات كبيرة للصرف عليهم".
من ناحية أخرى، قال المستشار القانوني حيدر علي يسن، أنه" في حال ثبوت صحة إطلاق سراح أبو لولو وإعادته إلى ميادين القتال، فإن ذلك من شأنه أن يجلب مشكلات ومواجهات قانونية كبيرة لقوات الدعم السريع مع المجتمع الدولي، لأن اسمه ارتبط بعقوبات واتهامات وانتهاكات جسيمة ضد المدنيين في الفاشر".
أشار يسن إلى أن" الإفراج عن أبو لولو على هذا النحو سيضاعف الضغوط الدولية ويعزز الشكوك والاتهامات الموجهة للدعم السريع باتخاذ الإفلات من العقاب منهجاً ومدخلاً للانتهاكات والفظائع المتكررة من دون توقف، بمعنى أن هذه القوات تطلق يد مقاتليها بصورة منهجية في فعل ما يريدون بالمدنيين عموماً والضحايا الذين يقعون في قبضتهم سواء كانوا أسرى أو مدنيين، بل وتوفر لهم الحماية وهو الدرس المستفاد من الإفراج عن الرجل الشهير بجزار الفاشر".
ويرى المستشار القانوني أن" إعادة مثل هذا القائد المرتبط بمقاطع فيديو موثقة لإعدامات ميدانية وانتهاكات وفظائع لصفوف القتال من جانب الدعم السريع ستقوّي ملف الانتهاكات والملاحقات ضدها، وقد تؤدي إلى توسيع قوائم الحظر وفرض عقوبات جديدة على قيادات أخرى، كما أن مثل هذه الخطوة ستلقي بمزيد من الظلال القاتمة على صورة الدعم السريع التي تسعى لتسويق نفسها كفصيل سياسي يقاتل من أجل العدالة والحرية والديمقراطية وليس مجرد تشكيل مسلح".
ويلفت يسن إلى أن" هذه القوات نفسها كانت أعلنت سابقاً إخضاع أبو لولو للتحقيق تمهيداً لتقديمه للمحاكمة ثم تعيده مرة أخرى للمشاركة في القتال على هذا النحو المفاجئ، فذلك يشير إلى احتمال أنه خضع للتحقيق بصورة شكلية وعُرض بعدها لمحاكمة صورية، وهذه الحالة تؤكد انتفاء أي جدية لقوات الدعم السريع في محاسبة المتهمين بجرائم حرب، مما يعني قبولها ضمنياً بالانتهاكات والجرائم التي يرتكبها قادتها الميدانيون".
وشهدت الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، اجتياحاً واسعاً وحصاراً خانقاً من قبل" الدعم السريع"، بعد حصار خانق استمر نحو 500 يوم.
ورصدت تقارير حقوقية عمليات إعدام ميداني وتصفية جماعية للمدنيين العزل والأسرى، إضافة إلى مقتل المئات وتورط مقاتلين وعناصر أجنبية في أعمال العنف.
ووثقت التحقيقات المستقلة للأمم المتحدة ارتكاب القوات انتهاكات مروعة ترقى إلى مستوى جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، أبرزها الإعدامات والقتل الجماعي.
وأكدت بعثات الأمم المتحدة لحقوق الإنسان ورود تقارير موثوقة عن استخدام العنف الجنسي، فضلاً عن عمليات نهب واسعة للممتلكات وتدمير البنية التحتية والمنازل، وسط حصار لآلاف المدنيين العالقين داخل المدينة في ظل انعدام شبه تام للخدمات الأساسية والاتصالات.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك