لا تنبتُ المشكلة الكبرى في حياة الإنسان دفعةً واحدة، ولا تطرق بابه معلنةً عن نفسها؛ إنها تتسلل إليه ببطء، وتسكن في عاداته قبل أن تسكن في أفكاره، وتُعيد تشكيل نظرته إلى العالم قبل أن يلتفت ليسألها: من أنتِ؟ ومتى دخلت إلى وجداني وتأصلت بهذا العمق؟ !وهذا بالضبط ما فعلته الفردانية بالإنسان المعاصر؛ لم تأتِه كأيديولوجيا يتبناها، ولا كفلسفة يقرؤها، بل جاءته كتحوّل تدريجي في مركز إدراكه للعالم، حتى صار يرى كل شىء من زاوية واحدة: زاوية الأنا! وحين أقول «الفردانية» لا أعني الاهتمام بالذات؛ فهذا معنى مشروع، بل مطلوب؛ فالشرع الشريف يحث على ذلك، فحفظ النفس من المقاصد الخمسة الكبرى التي جاءت بها الشريعة، لكن ثمة فارقاً جوهرياً بين الذات التي تعرف موضعها وسط شبكة من المعاني والعلاقات، وبين الأنا التي تضعُ نفسها مركزاً مطلقاً، فيصير الآخر هامشاً، والجماعة عبئاً، والانتماء قيداً، والمسئولية تضييقاً على الحرية، الفردانية بهذا المعنى ليست استقلالاً ناضجاً، بل هي في أغلب أحوالها انعزالٌ مقنَّع بلغة الحرية، وهشاشةٌ تتخفى في صورة اكتفاء بالذات.
السؤال الأهم ليس: ما الفردانية؟ بل: كيف وصلنا إليها؟ وهنا تحديداً تبدأ القراءة الحقيقية؛ فحين انتهت اللغة، بمعنى أن الإنسان فقد القدرة على التعبير الصادق عن احتياجه العميق، عن ألمه الداخلي، عن حاجته إلى الآخر؛ انسحب تدريجياً إلى أعماقه، لأن من لا يجد لغةً يصل بها لا يجد طريقاً يسلكه، وحين انقطع الإنسان عن تراثه وذاكرته الجمعية، لم يعد يشعر بأنه امتداد لأحد، فصار حاضره هو كل ما يملك، وذاتُه هي كل ما يعرف، وحين تحوّل الدين من معنى جامع يربط الفرد بأمة وبخالق وبإنسانية، إلى تجربة خاصة وطقس شخصي، خبا الوهج الاجتماعي للإيمان، وانكمش في صومعة الأنا، وحين تحلّلت الأسرة إلى أفراد يسكنون سقفاً واحداً لكل منهم شاشته وصمته وعزلته، تعلّم كل إنسان أن يكون وحيداً وسط من يُحبّهم، وحين غدت قيمة الوطن مجردة وبعيدة، وجد الفرد نفسه بلا أرضية مشتركة يقف عليها مع أحد.
هذه النهايات الخمس التي حللناها سوياً بالمقالات السابقة، لم تكن مستقلة عن بعضها، ولم يكن كل منها حادثةً منفصلة؛ بل كانت تفككاً متتالياً في دوائر الانتماء التي تمسك الإنسان وتمنعه من الوقوع في الفراغ الوجداني؛ وحين انهارت هذه الدوائر في بعض المجتمعات كلياً أو جزئياً واحدةً بعد أخرى، لم يجد الإنسان أمامه إلا ذاته يتمسك بها، فأمسك، ثم تمسّك، ثم تضخمت في يده حتى ملأت عليه الأفق.
والإنسان الفرداني ليس إنساناً شريراً أو أنانياً بالمعنى المألوف، هو كثيراً ما يكون مؤدباً، ومتعلماً، وحسن النية، ومهتماً بشعائر دينه؛ لكنه يرى العالم كله من ثقب واحد، وهو ثقب ما يُريحه ويناسبه ويُشبع حاجاته؛ تجده يمل المسئولية حين تمتد، ويهرب من الالتزام حين يثقل، ويقيس كل علاقة بمعيار واحد: ماذا تمنحني هذه العلاقة؟ لا يقول ذلك صراحةً، لكنه يعيشه واقعاً.
الأخطر من ذلك أنه يفقد ببطء مهاراتٍ إنسانية عميقة: مهارة الإصغاء الحقيقي الذي يُنسيك نفسك لتكون مع الآخر، ومهارة الصبر الذي يعني تأجيل ارتياحك لأجل من تُحب، ومهارة الاحتمال الذي يعني القبول بنقص الآخر لأن لديك نقصاً مثله؛ الفردانية لا تجعل الإنسان وحيداً فقط، بل تجعله عاجزاً عن العيش المشترك، وهذا النوع من الوحدة لا تراه في مرآة الغرف الفارغة، بل تراه في البرود الذي يسكن وسط الناس.
ويبلغ هذا التحول أثره الأعمق والأشد خطورةً حين يصل إلى التدين؛ فالفردانية لا تُلغي الدين، ولكنها تُعيد تشكيله على صورة الأنا؛ يبقى الإنسان متديناً، ولكنه يطلب من الدين أن يخدم فرديته لا أن يهذّبها، يريد ديناً يُريحه لا ديناً يُغيّره، يريد طمأنينةً لحظية وآنية لا تزكيةً حقيقية؛ يأخذ من الدين ما يلائم مزاجه الروحي، ويمر مسرعاً أمام ما يطالبه بتضحية أو بإصلاح علاقة أو بتحمّل مسئولية، وشيئاً فشيئاً، يضيق الدين في نفسه حتى يصير تجربةً فردية خالصة: إنسان ونفسه، دون أثر يمتد إلى الناس، ودون مسئولية تمتد إلى المجتمع.
كيف تُنتج الفردانية التطرف بكلا وجهيه؟ !وثمة وجهٌ آخر للفردانية لا يُرى في الغالب، لأنه يختبئ خلف ثوب التديّن لا خلف ثوب الإهمال؛ فالفردانية لا تُنتج نمطاً واحداً من الإنسان الديني، بل تُنتج نمطين متقابلين في الظاهر، متّحدين في الجذر، الأول: إنسان يأخذ من الدين ما يُريحه ويترك ما يُتعبه، فتراه يختزل التديّن في الطمأنينة الخاصة ويتجاوز ما يطالبه بالمسئولية.
والثاني -وهو الأخطر- إنسان تضخّمت فرديَّته حتى صار يرى نفسه مرجعاً لفهم الدين، فلم يرتحل إلى النص ليخضع له، بل ارتحل إليه ليُوظّفه؛ هذا الإنسان لا يترك الدين، بل يُفصّله على قدر قناعاته ومصالحه ورغباته؛ يستدعي النصوص التي تُسنده، ويتأوّل التي تُعارضه، ويُسقط ما لا يجد له تأويلاً مريحاً؛ وهنا بالذات تتولّد بذرة التطرف، لأن الإنسان الذي جعل أناه مرجعاً للحقيقة لن يتوقف عند حد؛ سيمضي في يقينه مدفوعاً بمصلحته أو غضبه أو كبريائه، مُدرَّعاً بنصوص انتزعها من سياقها لتخدم قراءته الخاصة.
والفارق بين هذا وبين الاجتهاد الحقيقي فارقٌ جوهري: المجتهد يخضع لضوابط العلم وأمانة النقل وتحكيم الجماعة العلمية، أما الفرداني الديني فلا يخضع لشىء خارج ذاته؛ وقد نبّه العلماء إلى هذا عندما تكلموا عن قضية «اتباع الهوى في الاستدلال» بوصفه أخطر من الجهل الصريح؛ لأن الجاهل يعرف أنه لا يعلم، أما من يستدل بهواه فهو يظن أنه يعلم، ومن هنا تحديداً يصبح فهم الفردانية شرطاً لفهم ظاهرة التطرف في صورتها الحديثة؛ فليس التطرف في أغلب حالاته غلواً في الدين بالمعنى الدقيق، بل هو في جوهره غلوٌّ في الأنا تتدثّر بلغة الدين وتجد ذلك جلياً في الجماعات المتطرفة التي تغير الأحكام الشرعية وفقاً لأهوائهم السياسية ومطامعهم.
وهذا بالضبط ما يتعارض مع البنية الجوهرية للإسلام؛ فالمنهج الإسلامي لا يتسق مع كل هذا الحجم من دعوات الاستقطاب والفردانية؛ فحين قال الله سبحانه: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾، لم يكن ذلك خبراً عن التنوع البشرى فقط، بل كان تحديداً لمعنى الوجود الإنساني: أنت هنا لتتعارف، أي لتخترق جدار ذاتك نحو الآخر، ولتجد نفسك لا في عزلتك بل في لقائك بالآخر، و«المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً»، والبنيان لا يكون بنياناً إذا انفصلت حجارته، و«خير الناس أنفعهم للناس»، والنفع يفترض وجود ناس تنفعهم وتراهم وتشعر بثقلهم.
والزكاة والصدقة ليستا فقط أداءً لواجب مالي، بل هما في بنيتهما الروحية انتزاعٌ للإنسان من مركزيته الذاتية، ودفعٌ له نحو الاعتراف بأن في ما يملكه حقاً لغيره؛ الشرع لا يريد من الإنسان أن يفنى في الجماعة ويذوب فيها حتى لا يبقى منه شىء، لكنه يريده أن يكون إنساناً في علاقاته لا خارجها، وأن يعرف أن الذات التي لا تُزكَّى في التواصل مع الآخر لا تتزكى في الانعزال عنه.
ولا يتجلى هذا المعنى في تراث أكثر مما يتجلى في التدين المصري تاريخياً؛ فقد كان التدين المصري في جوهره تديناً اجتماعياً قبل أي شىء آخر، لم يكن الإيمان عند المصري طقساً يمارسه وحده خلف بابٍ موصد، بل كان نسيجاً يُعاش في الجماعة، صلاة الفجر التي تجمع الجيران في المسجد قبل شروق الشمس، ومجلس العالم الذي يُربّي الأرواح بالصحبة قبل أن يُربّيها بالمعلومة، وإطعام الطعام الذي كان فعلاً دينياً ووجدانياً في آنٍ، وتلك المشاركة في الفرح والحزن التي لم تكن مجاملةً اجتماعية، بل كانت اعترافاً بأن ألم جارك يمسّك وفرحه يُكملك؛ كل هذا كان تديناً يُعلّم الإنسان ضمناً، دون خطبة ولا درس، أن الطريق إلى الله يمر من الرحمة بخلقه؛ وكان في الصحبة ما لا يجده الإنسان في العزلة؛ لأن الصحبة الصالحة تُريك نفسك من خارجها، وتُصحّح ما لا تستطيع أنت وحدك رؤيته.
لكن تحت ضغط الفردانية الحديثة، بدأ يظهر نمط مختلف؛ إنسان يتلقى دينه من شاشة وحده، ويمارس تجربته الروحية في عزلة اختيارية، ويفتقد معنى الصحبة حتى حين يحضر مجالس المشايخ؛ فهو حاضر بجسده، غائب بقلبه؛ لأنه لم يتعلم بعد كيف يكون مع أحد، لا نقول هذا رفضاً للوسيلة الحديثة، فالوسيلة ليست المشكلة، لكن الوسيلة التي تُحوّل التدين من صحبة إلى محتوى، ومن تربية إلى استهلاك، ومن علاقة حية إلى عرض يُشاهَد؛ هذه الوسيلة تستحق أن نقف عندها ونسأل.
والخروج من الفردانية لا يكون بإلغاء الذات، ولا بالدعوة إلى الذوبان في الجماعة؛ فالإنسان الذي لا يعرف ذاته لن يكون رحيماً بغيره، والذى لا يحمل هويةً واضحة لن يكون شريكاً حقيقياً لأحد؛ لكن الخروج يبدأ بإعادة الذات إلى موضعها الصحيح: أمانةٌ لا إلهٌ، ومنطلقٌ لا مرجع، يبدأ باستعادة معنى «نحن» بوصفه مجالاً للنضج لا عائقاً أمام الحرية، يبدأ بإحياء فقه الصحبة الذي يعرف أن الإنسان لا يتربى في فراغ، وأن القلب لا يتسع للرحمة إلا حين يُدرّب عليها في العلاقة، ويبدأ بإعادة تعريف الحرية لا بوصفها انفصالاً عن كل التزام، بل بوصفها قدرةً على اختيار الخير والوفاء بثمنه.
وختاماً، الفردانية اختلالٌ في مركز المعنى، وليست مجرد سمة اجتماعية عابرة، وحين يختل هذا المركز، لا يتغير سلوك الإنسان فحسب، بل تتغير صورة الدين في نفسه، وتتغير علاقته بكل ما حوله، لا يريد الدين من الإنسان أن يذوب في الجماعة حتى يفقد نفسه، ولا أن ينغلق على ذاته حتى يفقد العالم؛ بل يريد له أن يعرف نفسه في ضوء الله، وأن يجد كماله في الرحمة، وأن يدرك أن الطريق إلى السكينة لا يمر من عزلة الأنا، بل من اتساع القلب للناس والحياة.
وإذا كانت الفردانية قد جعلت الأنا مركزَ العالم، فإن المزاجية تجعل الشعور اللحظي مركزَ القرار؛ ومن هنا ننتقل في المقال القادم إلى سمة أخرى لا تقل خطورة: حين يصبح الإنسان محكوماً بمزاجه لا بقيمه!

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك