مدينةٌ ذُكرت في النصوص المسمارية قبل آلاف السنين، وظهرت في السجلات الأكّدية والآشورية والبابليـة، ثم اختفت فجأة من الخريطة التاريخية… لتتحول “باشيمي” إلى أحد أكثر الألغاز الغامضة في تاريخ حضارات بلاد الرافدين.
اليوم، يعود هذا الاسم إلى الواجهة من جديد، وسط فرضيات علمية متزايدة تربطه بمحافظة ميسان جنوب العراق، في منطقة تُعد من أغنى البيئات الأثرية غير المنقبة في البلاد.
مدينة “موجودة في النصوص… غائبة عن الأرض”تكشف النصوص المسمارية القديمة أن “باشيمي” لم تكن مجرد اسم عابر، بل مدينة قائمة وفاعلة خلال فترات طويلة تمتد من العصر الأكّدي وحتى العصور اللاحقة، ما يعني أنها عاشت لقرون طويلة قبل أن يبتلعها الغياب الجغرافي.
ورغم توثيقها في المصادر التاريخية، ظل موقعها الفعلي مجهولاً لعقود، ما دفع بعض الباحثين في فترات سابقة إلى وضع فرضيات خاطئة حول موقعها خارج العراق، قبل أن تتجه الدراسات الحديثة إلى ترجيح وجودها في جنوب البلاد.
ميسان أرض مليئة بالمدن التي لم تُكتشف بعدفي محافظة ميسان وحدها، تشير بيانات مفتشية الآثار إلى وجود نحو 604 موقعاً أثرياً موزعة على مختلف الأقضية والنواحي، معظمها تلال أثرية (إيشان) تمثل طبقات حضارية متراكمة تعود لآلاف السنين.
هذه المواقع تنتشر من شمال المحافظة إلى جنوبها، وتشمل عصوراً متعددة تبدأ من ما قبل التاريخ، مروراً بالحضارات السومرية والأكّدية، وصولاً إلى الفرثية والساسانية والإسلامية.
لكن المفارقة الصادمة أن أغلب هذه المواقع لم تخضع سوى لتنقيبات محدودة جداً، ما يجعل جزءاً كبيراً من تاريخ المنطقة ما يزال “مدفوناً بالكامل تحت الأرض”.
تل أبو شيجة.
النقطة التي غيّرت كل شيءفي عام 2007، تحوّل “تل أبو شيجة” في ناحية الطيب إلى محور اهتمام أثري بعد أن باشرت بعثة تنقيبية عراقية أعمالها فيه.
وخلال أشهر من العمل، تم الكشف عن معبد بيضوي الشكل يعود إلى العصر الأكّدي، إضافة إلى تماثيل ولقى أثرية ونقوش مسمارية حملت معلومات حساسة، من بينها الإشارة إلى اسم مدينة “باشيمي”، وأسماء حكّام وفترات زمنية تعود إلى نحو 2260 قبل الميلاد.
هذه النتائج لم تكن مجرد اكتشاف أثري عادي، بل أعادت فتح ملف مدينة كانت تُعد مفقودة بالكامل.
رغم أهمية المكتشفات، لا يزال العلماء يختلفون حول ما إذا كان “تل أبو شيجة” هو موقع باشيمي الحقيقي، أم مجرد جزء من نطاق حضاري أوسع للمدينة.
ويؤكد باحثون أن غياب التنقيبات الشاملة يمنع حتى الآن حسم هذا الجدل علمياً، خصوصاً أن المساحة التي تم التنقيب فيها لا تتجاوز جزءاً بسيطاً من الموقع الكلي.
ما تحت الأرض أخطر مما فوقهاتشير التقديرات الأثرية إلى أن ما تم اكتشافه في ميسان لا يمثل سوى نسبة صغيرة جداً من الإرث الحضاري المدفون، في وقت تُظهر فيه التلال المنتشرة في المحافظة مؤشرات قوية على وجود مدن كاملة لم تُكشف بعد.
ويحذر مختصون من أن استمرار ضعف الدعم المادي وقلة البعثات التنقيبية قد يؤدي إلى ضياع فرص علمية نادرة لحسم واحدة من أهم قضايا تاريخ بلاد الرافدين.
بين نصوص عمرها آلاف السنين وأرض ما زالت تخفي أسرارها، تبدو “باشيمي” أكثر من مجرد اسم تاريخي؛ إنها لغز مفتوح يعيد طرح سؤال كبير:هل نعرف فعلاً تاريخ ميسان… أم أننا لم نبدأ قراءته بعد؟وفي ظل ما هو مكتشف وما هو مفقود، تبقى الحقيقة الأثقل مدفونة تحت الأرض، بانتظار من يعيد كتابتها من جديد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك