بعد سنوات من تحوّل أجزاء واسعة من مناطق ريف إدلب في الشمال السوري إلى خطوط تماس عسكرية، بدأت الخنادق والسواتر الترابية التي قطعت أوصال القرى وفصلت الأراضي الزراعية تختفي تدريجاً، في مشهد يعيد تشكيل الحياة اليومية للسكان، ويعيد الحركة إلى العديد من الطرق التي ظلت مغلقة لسنوات طويلة.
وتشهد محافظة إدلب منذ أشهر عمليات ردم للخنادق وتسوية للسواتر الترابية بهدف فتح الطرق الفرعية والزراعية، في إطار جهود تهدف إلى إزالة آثار الحرب، وإعادة ربط التجمعات السكانية بعضها ببعض، إضافة إلى تسهيل حركة المزارعين، وإعادة مساحات واسعة من الأراضي الزراعية إلى الخدمة.
وقالت وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث السورية إن أعمال ردم الخنادق وتسوية السواتر الترابية شملت أكثر من 900 كيلومتر في محافظة إدلب حتى الآن، ضمن خطة تشمل مناطق سورية عدة، أبرزها في حلب وحماة وريف دمشق وحمص، مع التركيز على المناطق الأكثر تضرراً، والتي كانت تمثل خطوط تماس نشطة طوال سنوات النزاع في البلاد.
مشيرة إلى أن هذا التحول بدأ ينعكس على الأرض بشكل واضح، حيث يرى المزارعون أن إزالة العوائق أعادت وصل أراضيهم التي كانت مقطعة لسنوات، ما ساهم في استعادة النشاط الزراعي الطبيعي.
يقول محمد بيوش، وهو مزارع من ريف إدلب الغربي، لـ" العربي الجديد": " كانت الخنادق تقسم أرضنا، وتمنعنا من استثمارها بالكامل، واليوم استعدنا القدرة على الوصول إلى كل أجزاء الأرض، وعدنا للعمل بشكل طبيعي.
بعض الأراضي كانت تُترك بلا زراعة بسبب صعوبة الوصول إليها، لكن كل هذه الأمور تغيرت بالكامل".
من جهته، يصف إبراهيم سرميني، العائد حديثاً من نزوح طويل إلى قريته في ريف إدلب الجنوبي، التغيير الحاصل بأنه" تحول كبير في تفاصيل الحياة اليومية قبل أن يكون مجرد مشروع خدمي".
موضحاً لـ" العربي الجديد"، أن" الطرق أصبحت أسهل، والأطفال صاروا يذهبون إلى المدرسة من دون الاضطرار إلى التفاف طويل بين الطرق الترابية القديمة، كما أن ردم الأنفاق وإزالة السواتر أزالا مظاهر الحرب التي كانت تحيط بالمنطقة".
ويقول المهندس الزراعي عارف الخطاب لـ" العربي الجديد"، إن" أعمال ردم الخنادق والسواتر ليست مجرد أعمال تسوية أو خدمات، بل خطوة أساسية في إعادة دمج الأراضي الزراعية ضمن دورة الإنتاج، وتحسين استخدام الموارد الطبيعية بشكل مستدام.
كان انتشار الخنادق يؤدي إلى تجزئة الأراضي، وتعطيل شبكات الري، كما يصعب من استخدام الآليات الثقيلة، ومع ردمها، تبدأ الأراضي باستعادة شكلها الإنتاجي الطبيعي، لكن المرحلة المقبلة تحتاج إلى إعادة تخطيط زراعي دقيق لضمان عدم تكرار المشكلات نفسها، وربط ذلك بإعادة تأهيل شبكات المياه والطرق الزراعية بشكل متكامل".
وبعيداً عن الجانب الزراعي، يرى سكان محليون أن إزالة السواتر أعادت الروابط الاجتماعية التي قطعت بسبب الحرب، سواء في الزيارات العائلية أو الحركة اليومية بين القرى.
من ريف إدلب الغربي، يقول محمد اليحيى، إن" فتح الطرق ساهم في تقليل تكاليف التنقل وسهّل حياة الناس، خصوصاً أثناء مواسم الحراثة والحصاد".
ويشير اليحيى إلى أن" هذه الأعمال أعادت الأمل بعودة تدريجية للاستقرار في ظل استمرار المخاطر المرتبطة بمخلفات الحرب والألغام في بعض المناطق، والتي تتطلب خطوات إضافية لضمان سلامة الأهالي، وإتمام إعادة تأهيل البنية التحتية بشكل كامل".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك