استضاف مجلس اللوردات البريطاني في لندن ندوة أمس الأربعاء، تناولت قضية إقليم الأحواز في إيران، برعاية لورد إيفانز غراهام، من زوايا البيئة والاقتصاد وحقوق الإنسان واللغة والهوية، في توقيت إقليمي يجعل أي نقاش عن إيران محاطاً بحساسية مضاعفة.
لم يكن السؤال الأهم انعقاد الندوة بحد ذاته، بل توقيتها: لماذا تُطرح قضية الأحواز الآن في البرلمان البريطاني؟ ولماذا تحاول قضية ظلّت محدودة الحضور في الإعلامين العربي والبريطاني أن تجد موقعاً داخل النقاش البرلماني في لندن حول إيران وحقوق الإنسان؟شارك في الندوة الكاتب البرلماني أليستير طومسون، ورئيس ما يسمى" اللجنة التنفيذية لإعادة الشرعية إلى دولة الأحواز" عارف الكعبي، وعضو مجلس اللوردات من حزب المحافظين لورد ألتون، والصحافي ديفيد مادوكس، ضمن نقاش حاول نقل الأحواز من هامش الجاليات والناشطين إلى مساحة برلمانية تناقش القضية من منظور الحقوق والتوثيق والمسؤولية السياسية، من دون أن تغيب عنها حساسية اللحظة الراهنة.
قدّم طومسون النقاش من زاوية لا تختصر الأحواز في الهوية أو السياسة، بل تربطها بأزمة بيئية واقتصادية وحقوقية.
ووصف المنطقة بأنها" أرض مفارقات"، مشيراً إلى ما تحتويه، بحسب عرضه، من ثروات نفطية وغازية كبيرة، في مقابل فقر وتهميش وتدهور بيئي ينعكس على السكان المحليين.
وتحدث طومسون عن تحويل مجاري المياه وبناء السدود وارتفاع ملوحة المياه، رابطاً ذلك بتراجع الزراعة وظهور أزمات صحية ومعيشية.
كما تطرق النقاش إلى التضييق على اللغة العربية في المدارس، وتغيير أسماء بلدات تاريخية، وما وصفه المتحدثون بمحاولات طمس ملامح الهوية العربية، إلى جانب الاعتقالات والإعدامات التي قالوا إنها تطاول أبناء المنطقة.
ولكن انتقال الحديث إلى سؤال تقرير المصير جعل الملف أكثر حساسية، إذ أشار طومسون إلى استطلاع قال إنه أُجري بتكليف من حملة" فري أحواز" ونفذته مؤسسة ويتستون إنسايت (Whitestone Insight)، وتناول مسألة حق الأحوازيين في تحديد مستقبلهم.
وأعاد عارف الكعبي القضية إلى ما سماه" جذراً تاريخيّاً أقدم".
وربط ما يجري اليوم بعام 1925، معتبراً أن تلك اللحظة شكّلت نقطة فاصلة في علاقة الأحواز بإيران وبريطانيا معاً.
وعرض الكعبي القضية من زاوية تتجاوز الداخل الإيراني، رابطاً إياها بأمن الخليج وبالسياسات الإقليمية الأوسع.
وأشار إلى أن الأحوازيين سعوا إلى طرح مطالبهم بوسائل سلمية، لكنه قال إن ذلك لم يحمهم من سياسات طاولت اللغة والهوية والموارد.
كما يرى أن ثروات النفط والغاز في الأحواز لا تنعكس على السكان المحليين، بل تدخل، وفق طرحه، في حسابات النفوذ الإقليمي الإيراني.
وجاء طرح هذه الملفات في توقيت إقليمي حساس، مع اتساع النقاش الدولي حول إيران ودورها في المنطقة، لتبدو الندوة محاولة لإدخال قضية الأحواز إلى مساحة برلمانية بريطانية تناقش الحقوق والهوية والموارد من زاوية أوسع.
ونقل اللورد ألتون، المعروف باهتمامه بقضايا حقوق الإنسان والمساءلة، النقاش إلى مستوى قانوني وبرلماني.
لم يتبنَّ صيغة سياسية محددة لمستقبل الأحواز، بل ركّز على أهمية بناء التحالفات وتحويل الشهادات إلى ملفات قابلة للتوثيق.
ويرى أن قضايا من هذا النوع لا تستطيع التقدم وحدها، بل تحتاج إلى صلات مع برلمانيين وجماعات حقوقية ومحامين وقوى تؤمن بسيادة القانون والديمقراطية وحقوق الإنسان.
وأضاف الصحافي ديفيد مادوكس زاوية أخرى إلى سؤال" لماذا الآن؟ "، مرتبطة بكيفية دخول القضايا المنسية إلى المجال العام البريطاني.
فقد أشار، بحسب ما دار في النقاش، إلى أن القضايا التي تبقى خارج الحضور العام والإعلامي يصعب أن تتحول إلى أولوية سياسية، مستحضراً حضور غزة في الشارع البريطاني وفي النقاش السياسي مثالاً على تأثير الضغط العام في جعل قضية خارجية جزءاً من النقاش الداخلي.
لم يكن استحضار غزة، في هذا السياق، مساواة بين تجربتين مختلفتين أو اختزالاً لخصوصية كل ملف، بل إشارة إلى آلية عمل السياسة في بريطانيا: حين تصبح القضية مرئية في الشارع والإعلام والبرلمان، يتغير وزنها داخل المجال العام.
ومن هذه الزاوية، بدا طرح الأحواز في مجلس اللوردات محاولة لاختبار قدرة ملف ظل محدود الحضور على الخروج من الهامش إلى مساحة أوسع.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك