لا يزال مناخ الانقسام داخل قيادة قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر يهيمن على الأجواء الداخلية، مع تزايد ملامح التنافس بين أبنائه على الظهور والبروز، لا سيما نجليه صدام الذي يشغل منصب نائب ما يُعرف بـ" القائد العام للجيش الوطني"، وخالد الذي يتولى رئاسة الأركان، في ظل مؤشرات على سعي صدام المتسارع لتصدر المشهد العسكري.
وأظهر الاستعراض العسكري الذي نظمته قيادة قوات حفتر، مساء الثلاثاء، بمناسبة الذكرى السنوية لما يُعرف بـ" عملية الكرامة" التي أطلقها حفتر في بنغازي عام 2014، تبايناً وانقساماً واضحين بين نجليه، خاصة في ما يتعلق بإدارة وقيادة الاستعراض الذي جرى تحت شعار" مناورة درع الكرامة 2"، التي أُقيمت في منطقة رأس العلبة على بُعد نحو 300 كيلومتر شرق بنغازي، وشاركت فيها وحدات برية وبحرية وجوية، في عروض ميدانية شملت المشاة والمدرعات والزوارق الحربية، إضافة إلى طائرات مروحية.
بيد أن تبايناً سبق الاستعراض بشكل واضح، إذ نشر كل من صدام وخالد حفتر مشاهد مرئية بشكل منفصل، أظهرت إشرافهما على جانب من الاستعدادات دون ظهور مشترك واضح لهما.
وخلال المناورة، كان لافتاً غياب الكلمة السنوية المعتادة التي كان حفتر يحرص على إلقائها، إذ اكتفى بالتحية للمشاركين، فيما لم تنشر الصفحة الرسمية لقيادته أي مواد إخبارية تتعلق بالمناورة.
كما غابت التغطية عن الصفحة الرسمية لرئاسة الأركان التابعة لخالد، واقتصرت التغطية على وسائل الإعلام المقربة من صدام، الذي ركز على إبراز ظهوره بوصفه مشرفاً على المناورة بصفته نائباً لوالده.
ونقل صدام في منشور على منصات التواصل، أمس الأربعاء، ما وصفه بإشادة والده بالمناورة وتأكيده أنها تعكس" التزام كافة الوحدات بأعلى مستويات الجاهزية والانضباط والقدرة على تنفيذ مختلف المهام"، رغم أن حفتر لم يلق كلمته السنوية.
واعتبر صدام، خلال منشوره، أن المناورة تُعد" الأكبر في تاريخ المؤسسة العسكرية"، مشيراً إلى مشاركة نحو 25 ألف مقاتل فيها.
وفقاً لمراقبين، فإن اختيار صدام حفتر شعار" درع الكرامة 2" للمناورة التي حرص على إبراز دوره فيها يعكس محاولة واضحة منه لربط الحدث برمزية العملية التي أطلقها والده عام 2014، لا سيما أنها صارت المرجعية المركزية في الخطاب السياسي والعسكري لمعسكر والده، بل ويعكس اختياره هذا شعار محاولته تقديم نفسه، أمام الرأي العام المحلي والدولي، شخصيةً عسكريةً قادرةً على مواصلة هذا المسار وتعزيزه.
غير أن الخبير في الشأن العسكري والأمني ناجي بوسيف لفت إلى جانب آخر يتعلق بتراجع في الحضور العسكري خلال المناورة، مشيراً إلى أن المشاركة العسكرية" أقل كثافة من حيث تنوع وتطور المعدات"، مقارنة باستعراضات" الكرامة" في السنوات السابقة، التي شهدت استعراضاً لمعدات أكثر حداثة وتطوراً.
وأشار بوسيف في حديث لـ" العربي الجديد" إلى أن استعراضات السنوات السابقة ظهرت فيها معدات أحدث، من بينها طائرات" سوخوي"، وأنظمة دفاع جوي من طراز" بانتسير"، إلى جانب راجمات صواريخ ثقيلة، فضلاً عن أنظمة حماية الأمن السيبراني، في مقابل مشاركة" معدات تقليدية معروفة منذ عقود في المناورة الأخيرة".
ولفت بوسيف إلى أن المشاهد التي بثتها المنصات الإعلامية المقربة من صدام للمناورة أظهرت" مزيجاً" من المروحيات الروسية من طرازي Mi-8 وMi-17، والطائرات النفاثة من طراز" سوخوي-24"، إلى جانب دبابات ومدرعات تعود إلى مصادر روسية وأردنية، وكذلك استعراض بحري محدود اعتمد أساساً على زوارق دورية روسية الصنع.
وأكد أن" جزءاً كبيراً من هذه المعدات يعود إلى أجيال قديمة أو متوسطة من التسليح، بل أكثرها معروف ومتداول في البيئة الليبية منذ ثمانينيات القرن الماضي".
وأشار إلى أن" كل ما جرى استعراضه لا يخرج في معظمه عن نطاق المنظومات المتوسطة أو السابقة لجيل التسليح الحديث".
وفي المقابل هذا التراجع، ذكر بوسيف أن حفتر تحصل في السنوات الأخيرة على معدات متطورة اضافها الى ترسانته العسكرية.
ورغم إبراز بعض وسائل الإعلام المقربة من صدام حفتر حضور مدرعات أميركية خلال المناورة، أكد بوسيف أن هذه المدرعة" ليست جديدة" في المجال الليبي، فقد سبق استخدامها وانتشارها بعد 2011.
وعلى حد تعبيره، " فهي لا تمثل أي إضافة حديثة على مستوى القدرات القتالية لحفتر".
وكان صدام حفتر قد قام خلال الفترة الماضية بعدة زيارات إلى عواصم إقليمية ودولية، وشارك في لقاءات عسكرية وسياسية وُقعت خلالها اتفاقيات لشراء أسلحة، وأخرى جرت خلالها تفاهمات لم يعلن عن نتائجها.
وأبرز تلك الاتفاقيات الاتفاق الذي وقعه مع رئيس الجيس الباكستاني عاصم منير في بنغازي، منتصف ديسمبر/كانون الأول الماضي، بقيمة 4 مليارات دولار لشراء معدات وطائرات باكستانية.
ويرى بوسيف أن تفسير غياب بعض المعدات الحديثة لترسانة حفتر في المناورة الأخيرة يمكن قراءته ضمن أكثر من اتجاه، " إما باعتباره إعادة ضبط الوضع داخل قيادته، فلا يريد دعم أحد أولاده على الآخر، خاصة أن صدام يبدو أنه من نظم المناورة، أو نتيجة بطء في إدخال صفقات جديدة إلى الخدمة الفعلية، أو بسبب عدم اكتمال بعض مسارات التوريد والتشغيل حتى الآن".
وجاءت مناورة" درع الكرامة2" بعد أسابيع من مشاركة قوات من معسكري البلاد، شرقاً وغرباً، في التمرين العسكري الدولي" فلينتلوك 2026" في محيط مدينة سرت، الذي نظمته قيادة" أفريكوم"، ومثل فيها صدام قيادة والده.
وعلى الرغم من الحضور اللافت لصدام داخل بنية قيادة والده منذ عام 2021، وتأخر بروز شقيقه خالد حتى عام 2023، كانت العلاقة بينهما في إطار توازن، قبل أن تظهر ملامح الخلاف مع إعادة توزيع المناصب في أغسطس/آب من العام الماضي، عندما عين حفتر صدام نائباً له، ليصدر قراراً في الأسبوع التالي بتعيين خالد رئيساً للأركان، ما أحدث تقاطعاً في الصلاحيات بين الإدارة العسكرية المركزية والتشكيلات الميدانية.
ومع مرور الوقت، بدأت تبرز ملامح الخلاف وتظهر أكثر، خاصة مع اتجاه صدام لتمثيل والده في العواصم الدولية والإقليمية، فيما كثف خالد حضوره الميداني من خلال زيارات متكررة للوحدات العسكرية، إضافة إلى انخراطه في ملفات حساسة مثل ملف الحدود والهجرة غير النظامية في محاولة لإبراز دوره المحلي.
كما جاهر خالد بمعارضته للمقاربة الأميركية التي تسعى إلى بناء تقارب تدريجي بين حكومة الوحدة الوطنية وقيادة حفتر.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك