أي ذنبٍ زرعنا لنحصد هذا الخراب كلّه؟ كغارةٍ دخانها الخيبة، يخرق هذا السؤال إيقاع الغارات المتساقطة من حولي، بينما يصدح صوت الرصاص في الأرجاء موعزاً بالهروب لأبناء القرى المجاورة.
أمّا في مدينة صور في جنوب لبنان، فلم يحن بعد موعد تهجيرنا، لكنّه حتماً اقترب.
كيف لا وقائمة إنذارات المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي باتساعٍ مستمرّ عند كل صباحٍ ومساء، تبتلع في دربها كل سبل البقاء.
هنا في صور وضواحيها، للساعة فعلاً عقاربها، عقارب خبيثة تنتظر إيعازاً من أدرعي لتبخّ فينا سمّ الرحيل، فيما تمضي دقائق ما قبل اللدغة ونحن نتحسّس مخالبها فوق الأعناق.
وما أصعب العيش بانتظار إشعار! Notification.
نعيش بتوقيت أفيخاي: عينٌ على خيباتنا وأخرى على الهاتف، نترقّب إنذارات صاحب البدلة الزيتية، لنبحث بين سطورها عن قهرنا الآتي لا محالة.
نتخطى الإشعارات كما الأفخاخ، وإن نجونا من إحداها، يبقى الصمود سارياً حتى إشعارٍ آخر.
هكذا نهادن الأيام في زمن اللاهدنة، نتحيّن فرص البقاء على أرض الجنوب لأطول مدّة ممكنة، بينما تسقط قُراه واحدةٌ تلو الأخرى كقطع الدومينو في منحدرٍ لا آخر له.
هذه المدوّنة أحملها معي، بين الصمود والتهجير، لتوثّق لكم محاولات العيش المستمرة.
جميع من في الحي سبقنا في الرحيل.
وحدها" أم كامل" حاضرةٌ هنا بيننا لتؤنس وحدتنا.
ويا لأنسها! موعدها مع موعد القهوة الصباحية، عند تمام الساعة التاسعة صباحاً، تأتينا كضيفٍ ثقيلٍ على دراجةٍ نارية متهالكة تئنّ بلا انقطاع، لتبعث القلق في الأرجاء.
" أم كامل لديكم كلّ الخوف عليكم".
وحدها العصافير تغرّد خارج السرب، تتحداها بالزقزقة غير آبهةٍ بخبائثها.
لربما على الجنوبيين أن يختاروا للمسيّرة اسماً آخر يليق بكيدها.
" ع سلامتها الحاجة أم كامل".
نمّامة وثرثارة ولسانها بريد أسرارٍ متنقل لكنّه لا يحمل سمًاً ولا يعرف الأذى، مثلها كمثل نساء بلادي جميعاً.
حتّى إنني أستهجن إعطاء المسيّرات لقب أمٍّ، فمن يهب الحياة لا يحرمها لأحد.
ولكن، إن وجب الالتزام بالقافية فلنسمّيها إذاً" أم كوهين" … لعلّنا بهذه التسمية لا نألف قهرها، فهي صنيعة إسرائيل وقائدة حربها النفسية، وعينها اليقظة التي لا تغفل عن رقعة واحدة من أرض لبنان.
اليوم، نتهيّأ نفسياً ولوجستياً للتهجير الرابع.
الحقائب والأمتعة والفُرُش وكل ما يتسنّى له أن يحجز لنفسه مساحةً داخل السيارة أو على ظهرها، متأهّبٌ للمغادرة، إلّا نحن، مثقلون بتجارب التهجير السابقة.
ففي كلّ مرّةٍ يشتدّ فيها العدوان، نحمل العمر في أكياسٍ صغيرة ونمضي، وكأنّ الترحال طقسٌ جماعي يميّز أبناء الجنوب.
نودّع الأماكن بنظراتٍ خاطفة، آملين عودةً قريبة تنسينا التعب.
نتخطى الإشعارات كما الأفخاخ، وإن نجونا من إحداها، يبقى الصمود سارياً حتى إشعارٍ آخر.
لقد كرّس هذا التكرار مشهدية مرهقة تختصر الجنوبيين بسيارةٍ مثقلة بالمستلزمات والكثير من القلق، تسير ببطء السلاحف فوق الدمار.
لم يعد عدم الاستقرار بالنسبة إليهم حدثاً استثنائياً، بل أصبح نمط حياةٍ منهكاً غذاؤه الخوف والانتظار.
لم تسرق هذه الحرب منهم البشر والحجر فقط، إنّما أعادت تشكيل علاقتهم بالمكان والأمان.
فالجنوبيون هم سلاحف هذا العصر، يحملون بيوتهم على ظهورهم ويرحلون على الدوام، فيما البلاد تتقيّؤهم في كلّ مرّة كما لو أنهم لقطاؤها من حملٍ غير مشروع.
يتنقّلون بين مناطقها كقنابل موقوتةٍ يخشاها الجميع، بينما قلّة قليلة فقط مستعدة للخروج من قوقعتها واحتضانهم من دون أن تفنّد سلالة العائلة النازحة بحثاً عن جهاديٍّ مختبئ بينها.
والموجع فعلاً أنّ هذا الخوف مبرّر لكنّه يختزل حقهم في المعاناة.
نعيش اليوم مرحلة" اللاهدنة"، أعيد وأكرّر المصطلح رغم مطالبات مستندات غوغل بتصحيح الخطأ اللغوي.
الأجدر بالقواميس أن تعيد ضبط مفاهيمها بما يتناسب مع آلة الحرب الإسرائيلية بدل التنكّر لها.
لسنا أمام هُدنةٍ حقيقيةٍ ولا نحن في قلب المعركة، إنّما عالقون في المنتصف المقيت حيث الضباب يحجب عنّا أي رؤيةٍ للأمل.
ما نعيشه اليوم هو فعل اغتصابٍ موثّق ليس إلّا، نسفٌ وتفجيرٌ على طول الشريط الحدودي بخطّيه الأول والثاني، وقصفٌ وتدميرٌ وإنذارات لباقي القرى الجنوبية.
هكذا تدّعي إسرائيل أنّها تخوض معركة وجود، فيما هي في الحقيقة تزرع خوفاً وجودياً فينا.
دقّت ساعة الرحيل على عجلٍ كعادتها، من دون إنذارٍ من أفيخاي هذه المرّة، إنّما مشاهد قتل الأطفال في البلدات غير المهدّدة دفعتنا بعيداً عن سوداوية عيشٍ بانتظار غارة.
وهذه المدوّنة أحملها معي، بين الصمود والتهجير، لتوثّق لكم محاولات العيش المستمرة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك