لحظة من فضلك، عزيزي القارئ العراقي قبل أن تكمل، هل يمكنك الانطلاق في جولة استقصائية ميدانية، بحثاً عن قاعدة عسكرية إسرائيلية ثالثة قد تكون حتى اللحظة في بلادك، ولم تكتشفها أفرع الجيش واستخباراته وجهاز مكافحة الإرهاب وأفواجه أو وزارة الداخلية وتشكيلاتها، وقبلها أجهزة جمع المعلومات والأمن القومي السيادية بمديرياتها، فضلاً عن هيئة الحشد الشعبي وأجنحتها، وبالمرة ما يسمى بالفصائل والمليشيات المتوالد بعضها من بعض، فضلاً عن قوات البشمركة والأسايش وما سواهما ولكل من تلكم الجحافل والفيالق، منطقة نفوذ وانتشار قد تبيد الأخضر واليابس إن مست ليس من الإسرائيلي، بل من مواطنيهم؟قطعاً" أقسى همومنا تفجر السخرية"، كما قال الشاعر الراحل سيد حجاب، خصوصاً لمن راقب الأداء الرسمي العراقي في مواجهة تقارير الصحف الأميركية المتوالية عن اكتشاف قاعدة أولى كان خبرها في عالم الصحافة سبقاً، ومع ذلك لم يسقط حكومة أو يُقِل مسؤولاً، وبالأحرى يستفز شعباً، فلما ذاع نبأ الثانية مر الأمر كأنه لم يكن ومن دون توقف وتبين لما تعنيه الاستباحة الإسرائيلية لبلد لديه قرابة مليون ونصف مليون منتسب إلى الأجهزة العسكرية والأمنية، أي نظرياً ما بين مقاتلين إلى ثلاثة لكل كيلومتر مربع من مساحته، وبطبيعة الحال موازنات ومخصصات علنية وسرية أمنية ودفاعية تصل في بعض التقديرات إلى 20% من الموازنة العامة، وبعد هذا كله، فإن من توصل إلى حقيقة الاختراق كان راعي أغنام قتله المحتل وتجاهلته الدولة ولم يكترث به المجتمع.
لمثل هذا ينبغي السؤال: لماذا تتكاثر النقاط الميتة سهلة الاختراق في العراق؟ وكيف توصلت دولة الاحتلال إلى اختيار مواقعها؟ ما دور الولايات المتحدة، الحليف الرئيسي لبغداد ما بعد 2003، في إخفاء حقيقة وجود قوات معادية على أراضيه؟ فلا بد أن القواعد الأميركية في العراق كانت جزءاً من حسابات إسرائيل التي مكنتها من العمل سراً وبأمان في العراق.
ويدعم هذه الفرضية ما جاء في الأخبار السيارة عن إجبار واشنطن بغداد في كل من حرب الاثني عشر يوماً خلال العام الماضي وكذلك في النزاع الجاري، على إغلاق راداراتها الأميركية لحماية طائراتها! وبمعنى أصح، لفتح المجال أمام الطائرات الإسرائيلية تروح وتغدو في سماء بغداد دون حسيب ولا رقيب، وربما إن ظهر من أخذته الحماسة في مواجتهها، صار منبوذاً وفقد منصبه أو حتى حياته.
غني عن القول أن استباحة فاحشة كتلك، لها تبعات تتجاوز العراق إلى جواره، وتحديداً السعودية.
فالوجود العسكري والاستخباري الإسرائيلي بعدته وعتاده في منطقة النخيب المحاذية للحدود الشمالية للمملكة، كان قريباً من حدودها بما يعنيه من مخاوف عمليات تجسس ورصد أو تشويش قد تصل إلى قواعدها العسكرية، والأشد خطراً التجرؤ على المنطقة قولاً وفعلاً، فلم تعد إسرائيل الكبرى مجرد أزاعيم، بل أصولاً حربية تنتشر على الأرض، بعد تجهيز ومراقبة وتخطيط منذ فترة طويلة.
فما حدث يقيناً ليس عمل يوم أو ليلة.
إنه تدبير مستقبلي أخذ وقته لرسم مخططه بتأنٍّ ثم تهيئة الأرض للعمل، ومن ثم يمكن أن يكون له نظير في أكثر من بلد يقع في دائرة الاهتمام الصهيوني الاستراتيجي.
فالإمكانات متوفرة، والخبرة مستقرة، ورد الفعل العربي، وليس العراقي فقط يشجع على تكراره.
على ذكر التمرس الإسرائيلي في الاختراقات الشبيهة، من العجيب التأمل في كيف تجاهلت المنظومة العسكرية والأمنية العراقية استهداف إيران بالطريقة ذاتها قبل عام واحد، دون تعلم من دروس فشل طهران، التي لسخرية الأقدار تهيمن على العراق ولديها حلفاء مليشياويون في كل بقعة فيه، واستنسخت بغداد منظومتها العسكرية والأمنية ثنائية الهيكل (جيش نظامي وقوة مليشياوية) فلم تُغنِ عنهما من الخرق الأمني، والمقصود بما سبق، تسلل الموساد وإنشاء قاعدة طائرات مسيّرة ونشر أنظمة تشغيلية لأسلحة دقيقة التوجيه، في مناطق مفتوحة قرب أنظمة صواريخ أرض ــ جو الإيرانية، في لحظة فشل أمني نموذجي، ولفهم مدى خطورته، تجدر المقارنة بين أداء" الدولة" في مقابل" الحركة".
ففي عملية" حد السيف" الواقعة في غزة خلال عام 2018، تسللت وحدة" سييرت متكال" الإسرائيلية إلى خانيونس لزرع أجهزة تنصت، متنكرين بزي عائلة فلسطينية، لكن المقاومة اكتشفتهم، ما أدى إلى اشتباك قُتل فيه قائد الوحدة ويحمل رتبة عقيد، بل حتى تمكنت الأجهزة الأمنية من الوصول إلى معلومات كاملة عن المشاركين نشرتها حينها، ما أخرجهم من الخدمة في جيش الاحتلال.
من دون مواربة، تؤكد هاته الفوضى غياب الاستثمار في معرفة العدو وفهمه وتوقع خطواته، في ظل انشغالات داخلية ليست في البناء، بل في الإفساد والهدم، فما الذي ينقص العراق لتصميم شبكة مراكز بحثية تعمل أمنياً وعسكرياً لتوقع الخطوة التالية إسرائيلياً ورسم سيناريوهات توضع أمام صانع القرار حتى يعرف من أين سيأتي الاختراق التالي، اعتماداً على قراءة ما جرى مثلاً في إيران؟ وقد تواترت التصريحات الأميركية والإسرائيلية عن شمول بغداد في ما يسمى بسردية من النيل إلى الفرات، ومن الممجوج تكرار أن دولة الاحتلال وحتى أميركا ما بعد أكتوبر/ تشرين الأول 2023 بالتأكيد ليست كما قبلها، على جميع المستويات، وأبرزها العسكري والاستخباراتي.
فالنيات معلنة، والجرأة على كل المسلمات لا متناهية، بينما الأداء العربي ما زال يعيش في" ماء البطيخ" كما يصف المثل الشعبي المصري من تسيطر عليه حالة من التجاهل واللامبالاة، بات المرء يخشى أن تصل بنا يوماً إلى قواعد عسكرية إسرائيلية وعلى جدرانها بالبنط العريض" ممنوع الاقتراب أو التصوير أو النشر".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك