لم يعد الشعر الحديث معنيّاً بالموضوعات الكبرى وحدها، ولا بالصوت الخطابي المرتفع الذي طبع مراحل سابقة من التجربة الشعرية العربية، بل اتجه إلى اكتشاف الشعر في التفاصيل الصغيرة، التي تشكّل جوهر الحياة الإنسانية.
وعلى هذا السبيل: يقدّم نصّ (منذ متى وأنا أدرّب أصابعك على الإطاحة بنعاسي) تجربة شعرية تقوم على إعادة صياغة العلاقة العاطفية داخل فضاء الحياة اليومية؛ حيث يتحول البيت، والصباح، والأشياء المألوفة، إلى عناصر جمالية نابضة بالدلالة.
إننا أمام نصّ لا ينظر إلى الحب بوصفه انفعالاً عاطفياً عابراً، بل بوصفه نظام عيش مشترك يتكوّن عبر الزمن والتفاصيل والانتظار.
يفتتح الشاعر نصّه بسؤال يبدو بسيطاً ظاهرياً:«منذ متى وأنا أدرّب أصابعك على الإطاحة بنعاسي؟ »غير أن هذا الاستفهام لا يبحث عن جواب، بل يستدعي زمناً طويلاً من الألفة.
فالفعل «أدرّب» يفصح عن علاقة نمت تدريجياً، وكأن الحب ممارسة يومية تتطلب التعوّد والتكرار.
النعاس هنا ليس حالة جسدية فحسب، بل رمز للسكينة الداخلية التي لا يوقظها إلا حضور الآخر.
ومنذ البداية تتشكّل القصيدة من ثنائية دقيقة: الإيقاظ العاطفي مقابل الطمأنينة.
تبلغ القصيدة ذروتها الجمالية حين تجعل التفاصيل العادية مادة شعرية، فالحبيبة لا تظهر في صورة مثالية بعيدة، بل داخل حركتها اليومية:«تمرّين على عجينة السمبوسة، تتفقدين اختمارها»«تقفين بعض الوقت تحت نثار ماء الحمام الدافئ»هذه التفاصيل تنقل القصيدة من فضاء الغزل التقليدي إلى فضاء الحميمية المنزلية؛ فالمطبخ، والاستيقاظ المبكر، والعناية بالأشياء الصغيرة، تتحول إلى علامات حب حقيقية.
هنا يصبح الشعر قريباً من الحياة إلى درجة أنَّ القارئ يشعر بأنه يعيش المشهد لا يقرأه.
الزمن في النص ليس خطياً، بل متبادل الحركة، فالحبيبة تستيقظ قبل الفجر:«كأن لم تكوني قد استيقظت كديك الجيران.
قبل أذان الفجر»بينما يبقى الشاعر منتظراً دوره:«وأنا أنتظر حلول دوري.
لأنهض أنا وتنامين أنت»تتجلّى هنا مفارقة عميقة: العاشقان لا يعيشان الزمن ذاته، بل يكمل أحدهما الآخر.
إن الحب يظهر بوصفه عملية تبادل زمني؛ يقظة أحدهما تمنح الآخر حق الراحة.
ولهذا يعد الشاعر الساعات:«السابعة أو الثامنة أو التاسعة أو الثانية عشرة»في إشارة إلى سيولة الزمن داخل العلاقة العاطفية، حيث يفقد الوقت صرامته ويتحوّل إلى تجربة شعورية.
لا يقتصر النص على الإنسان، بل يضم شبكة واسعة من الكائنات:«آخر من تمرين به من النباتات والحيوانات وسكان الغرفة»يتحوّل المكان إلى كائن حيّ، وتصبح الحبيبة مركز حركة تمرّ على الجميع.
أما الشاعر فيضع نفسه ضمن هذه الكائنات، لا فوقها، وهو ما يكشف حساسية إنسانية تقوم على التواضع العاطفي والاندماج بالحياة.
إن البيت هنا ليس خلفية للأحداث، بل بطلٌ صامت يشارك في تشكيل التجربة الشعرية.
تعتمد القصيدة على لغة حسّية رقيقة:«قليل من الغبش، شيء من الدفء»«حمرة الشفتين.
خدمات المكحل.
بعض البودرة المعطرة»تخلق هذه المفردات مناخاً وسطياً بين النوم واليقظة، وهو ما يمكن تسميته شعرية النعاس؛ حالة معلّقة يختلط فيها الحلم بالواقع، وتصبح العلاقة أكثر صدقاً لأنها تحدث في لحظة خالية من التكلّف.
لا يحتفي الشاعر باليقظة الصاخبة، بل بالهدوء الذي يسبق اكتمال الوعي.
تنتهي القصيدة بصورة تجمع الطرافة والدلالة:«لتجدك تنهضين متكاسلة كما اليرقات، وكما السناجب تترقبين أخطائي»توحي اليرقات بالبطء والتحول، بينما تشير إلى الانتباه والمراقبة.
وهكذا تنتقل العلاقة من حالة السكون إلى لعبة إنسانية تقوم على الترقب والمشاركة.
لا تغلق النهاية النص، بل تتركه مفتوحاً على استمرار الحياة اليومية.
ينتمي النص بوضوح إلى حساسية قصيدة النثر عبر: الجملة السردية الطويلة، وغياب الزخرفة البلاغية، والاعتماد على التراكم الصوري، والمزج بين الحكي والتأمل.
فاللغة تبدو قريبة من الحديث اليومي، لكنها تحمل في داخلها كثافة شعورية عالية.
إن الشاعر لا يصنع الشعر بالوزن، بل بالنظر المختلف إلى الأشياء.
وأخيراً، يقدّم نص، «منذ متى وأنا أدرّب أصابعك على الإطاحة بنعاسي» تجربة شعرية تؤكد أن الشعر قد يولد من أبسط لحظات العيش المشترك.
فالحب هنا ليس إعلاناً عاطفياً ولا خطاباً رومانسياً تقليدياً، بل حضور متبادل داخل تفاصيل الصباح: إعداد الطعام، وانتظار الشاي، وتبادل النوم والاستيقاظ، ومراقبة الأخطاء الصغيرة.
تكمن شعرية النص في قدرته على تحويل اليومي إلى شعري، والعادي إلى استثنائي، ليكشف حقيقة عميقة مفادها: أن العلاقات الإنسانية لا تُبنى في اللحظات الكبرى، بل في تلك التفاصيل التي تبدو عابرة، لكنها تشكّل جوهر الحياة.
وبذلك يسهم الشاعر في كتابة قصيدة عن العيش مع الآخر أكثر مما يكتب قصيدة عن الحب نفسه؛ قصيدة تؤكد أن الشعر قد يكون ببساطة لحظة انتظار صامتة بين يقظتين.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك