العلاقة بين أمل دنقل، الذي تحل الذكرى الـ 43 على رحيله، وصديقه الشاعر عبد الرحمن الأبنودي ممتدة وكبيرة جدًا، تعود جذورها إلى ما قبل ذلك اللقاء الشهير الذي جمعهما معًا في ماسبيرو مع الشاعر فاروق شوشة، والذي لا يزال الجمهور يستدعيه من كنوز التلفزيون المصري.
«بوابة الأهرام» التقت شقيق أمير شعراء الرفض أمل دنقل في قريته" القلعة" بقفط جنوب محافظة قنا، والذي أكد أن العلاقة بين الاثنين كبيرة جدًا منذ مرحلة الطفولة والشباب، بل كانت هناك صداقة بين الأسرتين ككل.
ولد أمل دنقل في قرية القلعة عام 1940م، وقد تبقى له الكثير في مسقط رأسه بقرية القلعة التابعة لمركز قفط جنوبي قنا، منها تلك الجبانة التي تضم رفاته، وكذلك البيت الطيني العتيق الذي عاش فيه وتردد فيه صوت أنفاسه، وأيضًا قصاصات الأوراق التي خطها بقلمه وهو ينقل أشعار رفاقه التي أعجب بها فوضعها في كراريس صارت صفراء، بالإضافة إلى عدد من الصور التذكارية بالأبيض والأسود وهو يرتدي العمامة والجلباب، وصورته مع صديقه عبد الرحمن الأبنودي بالبدلة القديمة في أحد استوديوهات قنا العتيقة، ومعهما الشاعر الغنائي مصطفى الشريف.
أنس دنقل، الابن الأصغر، كشف لـ" بوابة الأهرام" أنه كان سببًا مباشرًا في قيام والد الشاعر عبد الرحمن الأبنودي، رفيق وصديق شقيقه أمل دنقل، بأن يلقنه علقة كبيرة بعد قيامه بفضح سرهما أنهما يشربان السجائر في سينما فريال بقنا، مضيفًا: " والدتي لم تعاقب أمل رغم تأكيدي لها أنه يدخن السجائر مع صديقه الأبنودي، بل قالت له وهي غاضبة: لا تفعل شيئًا في السر، لو كنت مقتنعًا بشيء فافعله في العلن وأمام الناس، وهو ما آمن به طوال حياته حتى مماته".
اختار الأبنودي أن يأخذ سياقًا مختلفًا عن صديقه أمل دنقل الذي اختار شعر الفصحى.
وأضاف أنس دنقل أن الأبنودي هو الذي أشرف على تنفيذ الوصية حتى استقرار جسد صديقه أمل دنقل بمثواه الأخير، مؤكدًا أن الأبنودي استمر لمدة سنة متواصلة يتردد على المستشفى الذي يقبع فيه صديق الصبا أمل دنقل، حتى وُصِف بأنه" صاحب واجب" لم ينس رفيقه حيًا أو ميتًا، ولم ينس أن المحبة قدر ووراثة؛ فوالده الشيخ محمود الأبنودي، صديق والد أمل، كان لا ينسى صديقه أيضًا.
كان الأبنودي، مثل صديقه أمل دنقل، يكره التدين المزيف، وقد حذر أمل دنقل في أشعاره من هؤلاء الذين يرفعون التدين المزيف من أجل مصالحهم، وهو ما مثلته الجماعات الإرهابية من إخوان وغيرها ممن يتحدثون عن الدين، والإسلام بريء منهم ومن أفعالهم.
وكرهه للتدين المزيف جعله في بعض الأحيان يقوم بإلقاء الخطب الدينية، بل حذر في وقت مبكر من التيارات الدينية المتشددة، كما أن استلهامه للتراث الفرعوني والعربي هو الذي جعل المخرج الكبير شادي عبد السلام يرشحه لبطولة فيلم إخناتون في تجربة لم تكتمل.
وقد كان لمولد الشاعر أمل دنقل في قرية القلعة أبلغ الأثر؛ فهي القرية التي تضم التراث العربي والسير العربية الشعبية والتي استقاها الشاعر في مسيرته الشعرية، وكذلك التراث الفرعوني من المعابد حيث كان له تأثيره عليه؛ فالقرية تضم معبد إيزيس التي ذكرها في قصيدة العشاء الأخير، والتي يقول في مطلعها:" أعطني القدرةَ حتى أبتسم.
عندما ينغرسُ الخنجر في صدر المرح،ويدبُّ الموتُ، كالقنفذ، في ظلِّ الجدار،حاملاً مبخرة الرعب لأحداق الصغار،أعطني القدرة.
حتى لا أموت،منهكٌ قلبي من الطرق على كل البيوت"ثم يتحدث عن آلام إيزيس وأوزوريس وطفلهما حورس.
ويوضح أنس دنقل أن الأبنودي استمر لسنوات طويلة يواظب على الحضور إلى القرية وزيارة قبر صديقه وقراءة الفاتحة على روحه، وكان يأتي لديوان آل دنقل العتيق كي يسترجع ذكرياته مع صديقه في طفولتهما وشبابهما.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك