أثار قرار حكومة الوحدة الوطنية في ليبيا برئاسة عبد الحميد الدبيبة، القاضي بصرف دعم مالي شهري إضافي لفئات من أصحاب المعاشات الضمانية والعسكرية ابتداءً من يونيو/حزيران 2026، تفاعلات متباينة بين المتقاعدين؛ ففي حين اعتبره البعض خطوة ضرورية للتخفيف من أعباء المعيشة المتفاقمة، رأى آخرون أنه غير كافٍ أمام الارتفاع المستمر في الأسعار وتراجع القيمة الفعلية للدخل.
وقال المتقاعد عبد الله العلاقي لـ" العربي الجديد" إن الزيادة تمثل" متنفّساً مؤقتاً" في ظل التضخم وارتفاع أسعار الغذاء والدواء والخدمات، مضيفاً أن الزيادات النقدية السابقة فقدت جزءاً كبيراً من أثرها بعد فترة قصيرة نتيجة ارتفاع الأسعار بصورة متسارعة، ما جعل القدرة الشرائية للمعاشات تتآكل تدريجياً.
ويشير إلى أن جزءاً كبيراً من المعاشات يُستهلك في تغطية الاحتياجات اليومية الضرورية، خصوصاً مع اتساع الفجوة بين مستويات الدخل وتكاليف المعيشة خلال السنوات الأخيرة.
ومن زاوية أخرى، يؤكد المتقاعد علي بوطالب، وهو عضو هيئة تدريس سابق، لـ" العربي الجديد"، أن الدعم الجديد يحمل بُعداً اجتماعياً مهماً، خصوصاً للفئات الأكثر هشاشة من أصحاب المعاشات المحدودة، إذ يمكن أن يخفف جزئياً من أعباء الإنفاق على الغذاء والدواء والخدمات الأساسية، ولو بصورة مرحلية.
كما يعتبر أن الخطوة تعكس إدراكاً حكومياً متزايداً لحجم الضغوط التي تواجهها الأسر الليبية، ومحاولة لامتصاص جزء من التوتر الاجتماعي الناتج عن تراجع مستويات المعيشة.
من جهته، يرى المحلل الاقتصادي عبد الله الحضيري أن أي زيادة في الدخول، من دون إجراءات موازية لضبط السوق وكبح التضخم وتحقيق استقرار نسبي في سعر الصرف، قد تتحول إلى أثر محدود زمنياً، لا سيما في اقتصاد يعتمد بشكل واسع على الواردات والإنفاق الاستهلاكي.
وأوضح الحضيري، خلال حديثه لـ" العربي الجديد"، أن جوهر هذه الأزمة في ليبيا لا يرتبط فقط بحجم الدعم المالي، بل بالتراجع المستمر في القوة الشرائية للدينار الليبي.
ويقول إن معاشاً بقيمة 1200 دينار، وفق سعر الصرف الرسمي البالغ 6.
3 دنانير للدولار، يعادل نحو 190 دولاراً فقط، وهو مستوى دخل يواجه صعوبة متزايدة في تغطية الاحتياجات الأساسية لأسرة ليبية متوسطة في ظل تضخم متصاعد واعتماد واسع على السلع المستوردة.
وأضاف أن الأزمة لا ترتبط فقط بقيمة المعاشات، بل أيضاً بضعف القوة الشرائية للدينار الليبي، إذ إن ارتفاع تكاليف السلع المستوردة والخدمات الصحية والتعليمية والإيجارات جعل شريحة واسعة من المتقاعدين تواجه صعوبة متزايدة في الحفاظ على مستوى معيشي مستقر، حتى بعد إقرار أي زيادات مالية جديدة.
وبموجب القرار رقم 258 لسنة 2026، تُضاف مبالغ مالية شهرية إلى المعاشات الضمانية وفق شرائح دخل محددة؛ إذ يُمنح دعم بقيمة 500 دينار لأصحاب المعاشات التي تتراوح بين 900 و1000 دينار، بينما يحصل من تتراوح معاشاتهم بين أكثر من 1000 و1200 دينار على 400 دينار شهرياً.
كما تشمل الترتيبات صرف 300 دينار للفئة التي تتراوح معاشاتها بين أكثر من 1200 و1500 دينار، في حين تُخصص 200 دينار لمن تتراوح معاشاتهم بين أكثر من 1500 و2000 دينار.
وتشير تقديرات نقابية وبيانات صادرة عن صندوق الضمان الاجتماعي خلال عام 2025 إلى أن عدد المتقاعدين في ليبيا يبلغ نحو 580 ألف متقاعد ومتقاعدة، في وقت تتزايد فيه الشكاوى من تراجع القيمة الحقيقية للمعاشات بفعل التضخم وارتفاع أسعار السلع الأساسية.
ورغم هذه المخاوف، يرى مؤيدون للقرار أن الدعم الجديد يحمل بُعداً اجتماعياً مهماً، خصوصاً للفئات الأكثر هشاشة من أصحاب المعاشات المحدودة.
ويشير المحلل المالي عبد الحكيم عامر غيث إلى أن ضخ سيولة إضافية في دخول أصحاب المعاشات يمكن أن يسهم في تخفيف الضغوط الاجتماعية وتحسين القدرة على تغطية الاحتياجات الأساسية، خصوصاً ما يتعلق بالغذاء والدواء والخدمات الصحية، لافتاً إلى أن الأثر الاجتماعي لمثل هذه القرارات يتجاوز الجانب المالي المباشر، لأنه يمنح الأسر قدراً من الاستقرار ويحد من اتساع الفجوة المعيشية.
ويضيف غيث لـ" العربي الجديد" أن القرار قد ينعكس أيضاً بصورة إيجابية على النشاط الاقتصادي المحلي، عبر تنشيط الاستهلاك داخل الأسواق، خاصة أن غالبية المتقاعدين يوجهون الجزء الأكبر من دخولهم نحو الإنفاق المباشر على السلع والخدمات الأساسية، ما يخلق حركة اقتصادية داخلية تساعد على تحريك بعض القطاعات التجارية والخدمية.
وقال مدير إدارة الإعلام بصندوق الضمان الاجتماعي محمد أعظيم إن عدد المستفيدين من قرار الزيادة الجديد الذي أقره رئيس حكومة الوحدة الوطنية الموقتة عبد الحميد الدبيبة بلغ نحو 510 آلاف مستفيد من إجمالي أصحاب المعاشات البالغ عددهم 580 ألف متقاعد، بما يمثل قرابة 90% من إجمالي المستحقين للمعاشات.
ويأتي هذا القرار في سياق اقتصادي يتسم بارتفاع تكاليف المعيشة وتذبذب الأسعار في السوق المحلية، وسط اعتماد واسع من الأسر الليبية على الرواتب والمعاشات مصدرَ دخل رئيسياً، في ظل محدودية فرص العمل وتباطؤ النشاط الإنتاجي خارج قطاع النفط.
ولا تزال السلطة التنفيذية في ليبيا منقسمة بين حكومتين متنافستين؛ الأولى في غرب البلاد وتحظى باعتراف الأمم المتحدة برئاسة عبد الحميد الدبيبة، والثانية في شرق البلاد ومدعومة من مجلس النواب في بنغازي.
واعتبرت الأمم المتحدة أن الاتفاق يمثل" تقدماً مهماً" نحو تعزيز الانضباط في إدارة الإنفاق العام وتحقيق قدر أكبر من الاتساق المالي والمساءلة على مستوى البلاد.
كما تزامنت هذه التطورات مع توصيات أصدرها صندوق النقد الدولي شددت على ضرورة التوصل إلى موازنة واقعية، وضبط الإنفاق العام، وتعزيز الشفافية، لا سيما في ما يتعلق بميزانية شرق البلاد، وذلك عقب مشاورات أجراها وفد فني تابع للصندوق مع مسؤولين ليبيين في تونس.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك