ومن هنا، فإن إطلاق جامعة القاهرة لهذه المجلة الدولية المحكمة تحت عنوان (African Tributes – روافد إفريقية) يتجاوز في دلالاته فكرة إصدار أكاديمي جديد، ليعكس إدراكا متقدما لطبيعة التحولات التي تشهدها إفريقيا، ولطبيعة الصراع الدولي الجاري فوق جغرافيتها السياسية والاقتصادية والمعرفية في آن واحد.
فالقارة الإفريقية اليوم لم تعد مجرد ساحة هامشية في النظام الدولي، بل أصبحت واحدة من أهم مسارح التنافس العالمي، إفريقيا تمتلك ما يقارب 30% من الاحتياطي العالمي للمعادن الاستراتيجية، ونحو 60% من الأراضي الزراعية غير المستغلة عالميا، إضافة إلى كتلة سكانية مرشحة لتجاوز 2.
5 مليار نسمة بحلول عام 2050 وفقا لتقديرات الأمم المتحدة، كما أن منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية تمثل أكبر منطقة تجارة حرة من حيث عدد الدول المشاركة منذ تأسيس منظمة التجارة العالمية.
وسط هذا التحول، تدرك القوى الدولية أن النفوذ الحقيقي داخل إفريقيا لن يتحقق فقط عبر الاستثمار أو القواعد العسكرية، بل عبر السيطرة على العقل الإفريقي نفسه؛ أي عبر التأثير في النخب، والجامعات، ومراكز البحوث، والخطابات الثقافية والتنموية، ولذلك توسعت الصين في إنشاء معاهد بحثية افريقية، وعززت فرنسا حضورها الأكاديمي واللغوي، بينما تستخدم الولايات المتحدة برامج التبادل العلمي والمنح الدراسية كأداة نفوذ طويلة المدى، في حين تعمل تركيا على توظيف التعليم والثقافة والدين ضمن استراتيجيتها الإفريقية المتصاعدة.
في هذا السياق، تبدو (روافد إفريقية) محاولة مصرية لاستعادة مساحة ضرورية داخل معركة الوعي الإفريقي، وهي معركة تأخرت القاهرة نسبيا في الانخراط فيها خلال عقود سابقة، رغم أن مصر كانت تاريخيا أحد أهم المراكز الفكرية والثقافية التي أسهمت في تشكيل النخب الإفريقية منذ حقبة التحرر الوطني.
لقد كانت القاهرة، خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي، عاصمة سياسية وفكرية للقارة، ومنها انطلقت إذاعات التحرر الإفريقي، وفي جامعاتها تخرجت قيادات ونخب لعبت أدوارا مركزية في بناء دول ما بعد الاستعمار، غير أن التحولات الإقليمية والانشغالات الداخلية التي مرت بها مصر في مراحل لاحقة سمحت لقوى أخرى بملء الفراغ داخل المجال الإفريقي، ليس فقط اقتصاديا، بل معرفيا وثقافيا أيضا.
لكن السنوات الأخيرة ومنذ العام 2014 شهدت عودة تدريجية للرؤية المصرية تجاه إفريقيا، ليس باعتبارها امتدادا جغرافيا فقط، وإنما باعتبارها امتدادا أمنيا واستراتيجيا وحضاريا، ومن هنا جاءت التحركات المصرية المكثفة داخل الاتحاد الإفريقي، والانخراط في ملفات القرن الإفريقي، وتوسيع الحضور الاقتصادي، وتعزيز التعاون الأمني، إلى جانب التوسع في المنح الدراسية والتدريب وبناء القدرات.
غير أن ما يميز المرحلة الحالية هو إدراك الدولة المصرية أن النفوذ المستدام لا يبنى فقط عبر الاتفاقيات والمشروعات، وإنما عبر إنتاج الثقة، وبناء شبكات النخب، وتشكيل الإدراك طويل المدى، وهنا تحديدا تبرز أهمية (الدبلوماسية الأكاديمية) باعتبارها أحد أكثر أدوات القوة الناعمة تأثيرا واستدامة.
فالجامعة لم تعد مؤسسة تعليمية فقط، بل أصبحت فاعلا جيوسياسيا ناعما، والبحث العلمي لم يعد نشاطا معرفيا معزولا، بل تحول إلى أداة من أدوات الأمن القومي وصناعة النفوذ الدولي، ولذلك فإن المجلات العلمية والمنصات الفكرية التي تتناول إفريقيا من منظور إفريقي مستقل تمثل جزءا من معركة أوسع تتعلق بمن يملك حق تفسير القارة والتحدث باسمها وصياغة مستقبلها.
من هنا، فإن الشعار الذي حمله العدد الأول للمجلة: “إفريقيا بوصفها مصيرا مشتركا”، ليس مجرد تعبير إنشائي، بل يعكس تحولا في الرؤية المصرية ذاتها، فمصر لم تعد تتعامل مع إفريقيا باعتبارها دائرة من دوائر السياسة الخارجية فقط، بل باعتبارها أحد محددات الأمن القومي المصري ومستقبل الدولة المصرية نفسها، سواء في ما يتعلق بالأمن المائي، أو استقرار البحر الأحمر، أو مكافحة الإرهاب، أو سلاسل الإمداد والتجارة، أو حتى مستقبل الاقتصاد العالمي.
كما أن أهمية هذه الخطوة تكمن أيضا في توقيتها، فالعالم يشهد حاليا إعادة تشكيل لموازين القوى الدولية، بينما تتحول إفريقيا إلى ساحة مفتوحة لإعادة توزيع النفوذ العالمي، وفي مثل هذه اللحظات التاريخية، لا يكفي أن تمتلك الدولة أدوات الحركة السياسية، بل يجب أن تمتلك أيضا أدوات التأثير الفكري والمعرفي والثقافي.
ولهذا، فإن" روافد إفريقية" يمكن النظر إليها باعتبارها جزءا من مشروع أكبر ينبغي أن تعمل عليه مصر خلال السنوات المقبلة، يقوم على بناء منظومة متكاملة للحضور المعرفي المصري في إفريقيا، تشمل الجامعات، ومراكز الدراسات، والإعلام، والترجمة، والبحث العلمي، والمنح الدراسية، والتبادل الثقافي، وإنتاج المحتوى الرقمي الإفريقي متعدد اللغات.
لأن معارك المستقبل لن تحسم فقط بمن يملك السلاح أو المال، وإنما أيضا بمن يملك القدرة على إنتاج الفكرة، وصياغة الرواية، وتشكيل الوعي، وإفريقيا، التي كانت لعقود موضوعا للكتابة من الخارج، تبدو اليوم في حاجة إلى منصات تتحدث عنها من داخلها، وبأصوات تؤمن بأن القارة ليست عبئا على العالم، بل أحد أهم مفاتيح مستقبله.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك