من أخطر الأمور التي تصيب المجتمعات تحوّل الحكم فيها من إدارة لشؤون الناس إلى هاجس دائم بالسيطرة عليهم.
في هذه الحالة، يصبح الحاكم غير مهتم ببناء دولة أو حماية وطن، بل يبقى في خوف متزايد من الجميع: من الشعب، والمقرّبين، وحتى من ظلاله وأوهامه.
كلما اشتدّ بطشه، اتسعت دائرة خوفه، حيث لا يمنح الظلم صاحبه الأمان، بل يدفعه إلى الارتياب المستمر، فيرى في كل كلمة تهديداً، وفي كل اختلاف مؤامرة، وفي كل صمتٍ احتمالاً للانفجار.
عرفت المنطقة العربية عبر تاريخها الحديث نماذج عديدة من هذا النوع من الحكم، حيث تحوّلت الدولة إلى جهاز أمني ضخم ضمن منظومة أمنية متكاملة.
كما تحوّلت السياسة إلى فن البقاء في السلطة بأي ثمن.
وفي الحالة السورية، بدا هذا المشهد أكثر وضوحاً وقسوة.
لم يعد الاستبداد مجرّد ممارسة سياسية، بل أصبح بنية كاملة تعتمد على الخوف المتبادل.
تخاف السلطة المجتمع، ويخاف المجتمع السلطة، ويعيش العاملون في أجهزة الحكم أنفسهم في قلقٍ دائم، لأنهم يدركون أنهم ليسوا شركاء حقيقيين، بل أدوات قابلة للاستبدال أو التضحية في أي لحظة.
في الأنظمة المستبدة، لا توجد ثقة حقيقية.
لا يثق الحاكم بمعاونيه مهما كانوا مخلصين، لأن قربهم منه يجعلهم أكثر معرفة بأسراره ونقاط ضعفه.
لهذا تتكرّر عمليات الإقصاء والتبديل والاعتقال حتى داخل الدوائر الضيقة.
يعيش كل مسؤول هاجس إثبات الولاء بشكل دائم، لا بالكفاءة أو الإنجاز، بل بالمبالغة في الطاعة والتنفيذ.
ومع الوقت، يتحوّل المحيط السياسي إلى ساحة تنافس مرضي لإرضاء الحاكم، حتى لو كان الثمن سحق المجتمع.
لا يصنع هذا المناخ رجال دولة، بل ينتج موظفين في خدمة الخوف.
يصبح همّ المسؤول توقع ما يريده الحاكم قبل أن ينطق به، وأن يبالغ في تنفيذ رغباته لضمان نجاته الشخصية.
وهنا تبدأ الكوارث الكبرى؛ لأن القرارات لا تُبنى على العقل أو المصلحة العامة، بل على التخمين والخوف والرغبة في إثبات الإخلاص.
وهكذا تتضخّم الأخطاء، ويصبح القمع سياسة يومية، لا لأن الجميع مقتنع به، بل لأن الجميع يخشى أن يبدو أقل قسوة مما هو مطلوب.
تحتاج الأنظمة المستبدة دائماً إلى صناعة عدو داخلي أو خارجي لتبرير استمرار القبضة الأمنيةعاشت سورية عقوداً طويلة تحت هذا النموذج من الحكم، حيث تحولت السلطة إلى منظومة مغلقة ترى في المجتمع تهديداً دائماً يجب إخضاعه، لا شريكاً في الوطن.
كان النظام السابق مثالاً واضحاً على كيف يقود الخوف السلطة إلى مزيد من العنف والعزلة والشك.
ومع تراكم الأزمات، أصبحت الدولة نفسها رهينة للعقلية الأمنية، فغابت السياسة الحقيقية، وتراجعت المؤسّسات، وحلّت الولاءات الشخصية محلّ مفهوم الدولة.
لكن الدرس الأهم اليوم لا يتعلق بالماضي فقط، بل بالمستقبل أيضاً.
أي سلطة جديدة، مهما كانت شعاراتها أو نياتها، قد تقع في الفخ نفسه إذا أغرتها القوة واحتكار القرار.
لذلك، لا تقتصر مسؤولية المرحلة المقبلة في سورية على إسقاط إرث الاستبداد، بل على منع إعادة إنتاجه بأسماء جديدة أو بطرق مختلفة.
المشكلة ليست في الأشخاص وحدهم، بل أيضاً في العقلية التي ترى السلطة امتيازاً دائماً، وليس مهمّة تخضع للمسؤولية.
كما أدّى هذا النوع من الحكم في سورية، كما في دولٍ عربيةٍ أخرى، إلى تدمير العلاقة الطبيعية بين المواطن والدولة.
لم يعد المواطن يشعر بأن المؤسّسات موجودة لخدمته، بل صار يراها أدوات لمراقبته وإخضاعه.
ومع الوقت، تآكل الشعور بالانتماء الوطني، لأن الأوطان لا تُبنى بالخوف، بل بالعدالة والثقة والمشاركة.
وعندما يغيب هذا كله، تتمزق المجتمعات من الداخل، ويصبح الانفجار مجرّد مسألة وقت.
والمأساة الكبرى أن الاستبداد لا يكتفي بتخريب السياسة، بل يمتد أثره إلى الثقافة والأخلاق والعلاقات الاجتماعية.
تحت وطأة الخوف الطويل، يتعلم الناس الصمت أكثر من الكلام، والنفاق أكثر من الصراحة، والحذر أكثر من المبادرة.
يكبر جيل كامل على الاعتقاد بأن النجاة لا تأتي من الكفاءة أو الحرية، بل من تجنّب لفت الانتباه.
هنا، يخسر المجتمع حيويته وقدرته على الإبداع، لأن الإنسان المقموع لا يستطيع إنتاج حياة طبيعية.
القمع قد يطيل عمر السلطة بعض الوقت، لكنه لا يصنع استقراراً حقيقياًتدفع الأنظمة المستبدّة غالباً الناس إلى الانقسام والتشكيك بعضهم في بعض، فهي تحتاج دائماً صناعة عدو داخلي أو خارجي لتبرير استمرار القبضة الأمنية.
لذلك، تنتشر لغة التخوين، ويصبح الاختلاف السياسي خيانة، والمطالبة بالحقوق تهديداً للأمن، والنقد مؤامرة.
في النهاية، يدخل المجتمع في دوّامة من الكراهية والخوف المتبادل، بينما تتراجع فرص الحوار والإصلاح الحقيقي.
أما الحاشية المحيطة بالمستبد، فهي غالباً أكثر الناس بؤساً رغم ما يبدو عليها من نفوذ.
تعيش في حالة توتر دائم، لأنها تعرف أن قربها من السلطة لا يحميها، بل يجعل سقوطها أكثر قسوة إذا تغيرت الموازين.
لذلك نجد كثيراً من رموز الأنظمة القمعية ينتهون ضحايا للنظام نفسه الذي خدموه بإخلاص أعمى.
فالاستبداد لا يعرف الوفاء، لأنه قائم أساساً على الشك وانعدام الأمان.
أثبتت التجارب العربية أن القمع قد يطيل عمر السلطة بعض الوقت، لكنه لا يصنع استقراراً حقيقياً.
الاستقرار القائم على الخوف هشّ بطبيعته، لأنه يخفي تحت سطحه غضباً مكتوماً وتصدّعات عميقة.
وعندما تأتي لحظة الانفجار، تكون النتائج مدمرة على الجميع: الدولة، والمجتمع، وحتى الذين ظنوا أنهم محميون داخل منظومة الحكم.
والخروج من هذا الواقع لا يكون بمجرد تغيير الأشخاص، بل بتغيير الفكرة نفسها: فكرة احتكار السلطة، واعتبار الشعوب مجرّد رعايا لا مواطنين.
تحتاج المجتمعات العربية إلى بناء دول تقوم على القانون والمؤسسات والمحاسبة، لا على الولاء الفردي والخوف الأمني.
تحتاج إلى أن يشعر المواطن بأن كرامته مصونة، وأن اختلافه ليس جريمة، وأن الدولة ليست عدواً له.
ليست الحرية ترفاً سياسياً كما تحاول الأنظمة القمعية أن تصورها، بل هي شرط أساسي لصحة المجتمع واستقراره.
عندما تُحرم الشعوب من حقها في التعبير والمشاركة، فإن الاحتقان يتراكم بصمت حتى يتحوّل إلى انفجار يصعب احتواؤه.
لهذا، فإن أخطر ما يمكن أن تفعله أي سلطة هو أن تعتقد أن الخوف يمكن أن يستمر إلى الأبد، لأن التاريخ يثبت دائماً أن الشعوب قد تصمت طويلاً، لكنها لا تنسى، ولا تقبل العيش بلا كرامة إلى ما لا نهاية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك