قرّر المحامون التصعيد من أجل الدفاع عن مهنتهم وحقوقهم.
إذ منذ انتخاب عميد جديد استعاد القطاع حيويته السابقة، وخرج من حالة الشلل والارتباك ليقتحم مرحلة الاشتباك مع السلطة ممثلة بوزيرة العدل.
وقد أثبتت التجارب التي مرّت بها تونس أنه كلما استعدى النظام حاملي الراية السوداء، كان هذا مؤشّراً على أن الرياح مقبلة على تغيير ما، فهل" ثورة" المحامين هذه المرّة ستعيد تعديل البوصلة أم ستواصل السلطة انغلاقها وكأن شيئاً لم يحدث؟
للمحامين أسباب عديدة دفعتهم إلى توحيد صفوفهم وخوض هذه المواجهة الشاملة.
منها العوائق التي تواجهها مهنتهم، ومعظمها ناتج عن محاولة تحجيم دور المحامي، مثلما حصل مع القضاء والقضاة.
فالتاريخ يشهد أن المحامين دافعوا عن الحرّيات والحقوق، خصوصاً خلال المراحل الصعبة التي مرّت بها البلاد حين تعسفت السلطة وجنحت نحو الاستبداد والانفراد بالدولة.
وقد تعزّز حضور المحامين مع كثرة القضايا المرفوعة ضد السياسيين والنشطاء بشكل غير مسبوق.
بعد التخلص من الأحزاب التي همّشت تماماً، جاء دور الجمعيات، خصوصاً ذات الدور السياسي، للتضييق عليها وتحجيمها.
ولتحقيق هذا، يجري العمل حثيثاً من أجل إلغاء المرسوم 88 الذي مكّن الجمعيات من حقوق وامتيازات اعتبرتها السلطة الحالية غير مقبولة، ومن شأنها تهديد" السيادة الوطنية".
لهذا يعمل البرلمان على صياغة قانون جديد للجمعيات، يمنعها من الحصول على التمويل الأجنبي.
وهي مسألة حساسة قد يترتب عنها موت كثير من هذه المنظمات.
ما يجري في تونس حلقة من حلقات ليّ الذراع بين الحكم الفردي والمجتمع المدني.
فبعد إضعاف القضاة الذين حكم على رئيس جمعيتهم بسنة سجناً، انطلق الصراع مع المحامين الذين سيخوضون إضراباً عامّاً يوم 18 الشهر المقبل (يونيو/ حزيران) بعد نجاح إضراباتهم الجهوية.
وبشكل موازٍ، تتابع نقابة الصحافيين التضييق المستمر على الإعلام الحر، ومن ذلك أن" جمعية الخط" تلقّت تهديداً بالتوقف نهائياً، وهي الجمعية التي تقف وراء موقع" انكفاضة"، وهي صحيفة استقصائية معروفة بالجرأة والمهنية، في أعقاب شكوى تقدّمت بها رئيسة الحكومة.
يطلق الرئيس سعيد النار في كل اتجاه، لا يستثني أحداً، ولا يخشى أي طرف.
فمن بين آخر الأخبار المثيرة صدور حكم بعشر سنوات سجناً في حق العميد السابق للمحامين ورئيس الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد التي جرى حلها، فحرب التحرير التي أطلقها متواصلة لا تتوقف، رغم أن الجدوى من هذا كله لم تتضح بعد ولا تزال محل تساؤل.
لا يوجد تقييم للحصيلة، ولا تحديد لمراحل هذا المسار، ولا تقدير لحجم الخسائر وحصر المكاسب، وبالأخص معرفة المصير الذي تُقاد إليه البلاد.
فكل حرب بداية ونهاية، حتى لا تتحوّل إلى نمط من العبث السياسي.
لا توجد حروب مفتوحة ومستمرّة بلا انقطاع.
كل ما هنالك أن العجلة تدور من دون توقف.
ورغم تسريح بعض المساجين بسبب غياب الأدلة بإدانتهم، تواصلت المحاكمات السياسية.
لم تبذل السلطة جهداً لتحليل دلالة الاستقبال الشعبي لرئيس بلدية شاب وغير متحزب، قضى ثلاث سنوات في السجن.
وعندما غادر فوجئ بأبناء حيه يستقبلونه بحفاوة، ويرفعونه فوق الأعناق، اعترافاً منهم بالخدمات التي قدمها، وإيماناً منهم ببراءته، غير عابئين بتهمة" التآمر" التي وجهت إليه، ولا بالقضاء الذي أدانه رغم غياب الأدلة القطعية بحسب ما أكده المحامون.
تونس في لحظة فارقة، إذ فوجئ الرأي العام ببيان وزارة الدفاع، يؤكّد أن الجيش الجمهوري" قائم على الانضباط، ويضطلع بواجب الدفاع عن الوطن واستقلاله ووحدة ترابه، في التزام تام بالحياد واحترام لقوانين الدولة والتراتيب العسكرية".
كما أدان" المحاولات المتكرّرة للزج بالجيش وبقياداته في التجاذبات والمزايدات السياسية".
لم يحدّد البيان الجهة وراء هذه" المزايدات"، لكنه عمّق حالة الغموض والحيرة، وفسح المجال لتأويلات متباينة، بعد أن تكرّرت دعوة المعارضة الجيش إلى التدخل، ووضع حد للمرحلة الحالية؟
وبقطع النظر عن خلفيات البيان، يطرح ذكر العسكر هذه الأيام أسئلة عديدة ويثير المخاوف، ويؤكد أن تونس ليست بخير.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك