وصل الناشط الإسباني سانتياغو غونثاليث باييخو إلى مدريد حاملاً آثار أيام من الاحتجاز والعنف والإذلال بعد مشاركته في" أسطول الصمود" الذي حاول كسر الحصار البحري المفروض على قطاع غزة.
وعلى جسده لا تزال آثار الكدمات والجروح واضحة، بينما يقول إن الأثر النفسي" أعمق بكثير".
في حديث مطوّل وخاص مع" العربي الجديد"، يروي غونثاليث تفاصيل ما جرى منذ لحظة اعتراض السفن وحتى ساعات التحقيق والاحتجاز، متحدثاً عن الضرب، والإهانات، والظروف" اللاإنسانية" داخل ما وصفها بـ" سفن السجون" الإسرائيلية.
ويقول غونثاليث في بداية حديثه مع" العربي الجديد": " أنا بخير نفسياً إلى حدّ ما، رغم أننا جميعاً خرجنا محطّمين من الداخل.
لديّ إصابات في الركبتين والمعصمين وضربة على الجانب، لكن ما تعرّضنا له يبقى ضئيلاً مقارنة بما يعيشه الأسرى الفلسطينيون يومياً".
ويضيف: " كنّا نعرف مسبقاً أن إسرائيل ستتعامل معنا بعنف، لكننا كنا مدركين أيضاً أن ما سيجري معنا لن يكون سوى جزء صغير مما يحدث للفلسطينيين في السجون".
ويعرّف غونثاليث نفسه بأنه اقتصادي وعضو مؤسس في منظمة" الطريق إلى غزة"، وهي إحدى المنظمات المشاركة ضمن تحالف" أسطول الحرية".
ويوضح أن التحالف ينظم رحلات بحرية تضامنية منذ عام 2011، بعد الهجوم الإسرائيلي على سفينة" مرمرة".
أما" أسطول الصمود" الذي شارك فيه هذا العام، فيقول إنه جاء نتيجة تنسيق واسع بين منظمات عدة، بهدف" كسر الحصار المفروض على غزة ودفع الحكومات الأوروبية إلى تطبيق القانون الدولي على إسرائيل" ويضيف: " نريد أن نفضح التناقض الأوروبي.
كيف تطالب الدول الغربية بحرية الملاحة الدولية في أماكن أخرى مثل مضيق هرمز، ثم تصمت عندما تهاجم إسرائيل سفناً مدنية أوروبية في المياه الدولية؟ ".
ويروي غونثاليث أن اعتراض السفن وقع قرب المياه القبرصية، مؤكداً أن الهجوم الإسرائيلي لم يكن مفاجئاً بالنسبة للمشاركين، لكنه كشف ــ بحسب قوله ــ" تواطؤاً أوروبياً واضحاً".
ويرى أنه" من المستحيل أن السفن العسكرية الأوروبية وسفن حلف شمال الأطلسي (ناتو) الموجودة في المنطقة لم تكن تعلم بما يجري.
كان واضحاً أن الجميع شاهد الهجوم وتركه يحدث".
ويتابع: " القوات الإسرائيلية هاجمت السفن بشكل منهجي.
كنّا قد تلقينا تدريبات كاملة على المقاومة السلمية، لذلك جلسنا بأيدينا مرفوعة ومفتوحة حتى لا يُفسَّر أي تحرك على أنه عنيف".
وأضاف أن الجنود طلبوا منهم الانتقال إلى مقدمة السفينة قبل البدء بنقلهم واحداً تلو الآخر إلى الزوارق العسكرية.
لكن أكثر اللحظات خطورة، وفق روايته، حدثت بينما كان بعض النشطاء لا يزالون على متن السفينة.
ويقول: " بدأ الجنود بقطع الحبال والكابلات التي تثبّت الأشرعة والصارية بينما كنّا ما زلنا فوق السفينة.
عندما انقطع أحد الحبال بدأت الأشرعة والحبال تتطاير بقوة وكادت تصيب أحد رفاقي.
كان واضحاً أنهم يريدون تدمير السفينة وإغراقها".
وبعد نقل المعتقلين إلى ما يسميه" سفينة السجن"، بدأت مرحلة أخرى من المعاناة.
يقول غونثاليث إن الجنود صادروا ملابسهم الثقيلة فوراً، وإن ظروف الاحتجاز كانت" كارثية صحياً وإنسانياً".
ويشرح: " المراحيض تعطلت تماماً، وكانت النفايات البشرية تتراكم لأيام داخل المكان.
الرائحة كانت خانقة.
كما كانوا يرشون المياه على الأرض ليلاً، ما جعل النوم شبه مستحيل بسبب البرد والرطوبة".
ويضيف أن عدد المعتقلين كان أكبر من قدرة المكان على الاستيعاب: " لم يكن هناك متسع للجميع.
بعضنا كان ينام منكمشاً، والبعض الآخر كان يمضي الليل بأكمله يمشي في دائرة كي لا يتجمد من البرد".
كما تحدث عن نقص المياه والطعام، مشيراً إلى أن إحدى الناشطات الفرنسيات فقدت وعيها بسبب الظروف القاسية.
ورغم أن غونثاليث يقول إنه لم يتعرض في البداية لـ" ضرب مبرح"، فإن الوضع تغيّر بالكامل عند الوصول إلى الميناء الإسرائيلي.
ويضيف: " هناك بدأ العنف المنهجي الحقيقي.
كانوا يضربون كل معتقل يصل، واحداً واحداً، إما بلكمات أو بركلات على الأضلاع والخاصرة".
ويصف الساعات التالية بأنها الأكثر إذلالاً، قائلاً: " أجبرونا على الركوع لفترات طويلة وأيدينا مكبلة ورؤوسنا نحو الأرض.
في حالتي، دفعوني بقوة فسقطت على الأرض الرملية وأُصبت بجروح في الجبهة والركبتين".
ويضيف أن بعض المعتقلين أُجبروا على البقاء لساعات في أوضاع مؤلمة، بينما كانت الموسيقى الإسرائيلية تُشغَّل باستمرار خلال الاحتجاز.
وخلال التحقيق، حاول المحققون إجباره على الاعتراف بأنه خرق" القوانين الإسرائيلية" عبر دخوله" مياهاً محظورة".
لكنه رفض ذلك تماماً.
ويتابع: " قلت لهم إنني لا أعترف بشرعية هذه القوانين، وإن القانون الدولي يكفل حرية الملاحة للسفن المدنية السلمية".
وعندما سأله المحقق عن عدد المرات التي زار فيها إسرائيل، أجابه غونثاليث: " لم أزر إسرائيل قط.
زرت فلسطين سبع مرات".
ويضيف: " كان حواراً عبثياً، لكنهم فهموا سريعاً أنني لن أتنازل عن موقفي السياسي".
ويكشف غونثاليث أن أقسى اللحظات بالنسبة له لم تكن الضربات الجسدية، بل سماع صرخات رفاقه في أثناء اقتيادهم بعيداً.
ويقول: " كانوا يأخذون المعتقلين واحداً تلو الآخر.
كنا نسمع الصراخ ولا نعرف ماذا يحدث.
لا نعرف أن كانوا يتعرضون للتعذيب أو للضرب أو يصرخون من الخوف.
ذلك كان مرعباً نفسياً".
كما يروي تفاصيل صادمة عن أوضاع معتقلين من سفن أخرى ضمن الأسطول.
ويقول إنه شاهد بعد وصول بعض الناشطين إلى تركيا آثار ضرب واضحة على ظهورهم، مضيفاً أن بعض الجنود استخدموا مؤخرة البنادق لضرب المعتقلين.
ويتابع: " أحد قادة السفن يرقد حالياً في المستشفى بعدما سبّبت الضربات التي تلقاها مشكلات خطيرة في الرئتين".
ويؤكد الناشط الإسباني أنه يحمل آثاراً واضحة على جسده نتيجة الاعتداءات، وأنه سيتوجه مع رفاقه لإجراء فحوصات وتقارير طبية تمهيداً لتقديم دعاوى قانونية ضد إسرائيل.
لكنه يشدد على أن القضية بالنسبة لهم" ليست شخصية".
ويقول: " ما نريده هو فضح السياسة الإسرائيلية الممنهجة تجاه الأسرى الفلسطينيين.
إذا كان هذا ما يفعلونه معنا أمام الكاميرات، فكيف يعاملون الفلسطينيين الذين لا يراهم أحد؟ ".
ومن أكثر المشاهد التي بقيت عالقة في ذاكرته، زيارة وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير للمعتقلين داخل السجن.
ويقول إن الوزير دخل محاطاً بحراسه وصحافيين، وبدأ بإطلاق تعليقات بالعبرية قبل أن يصرخ بالإنكليزية: " غزة غير موجودة، فلسطين غير موجودة، أنتم إرهابيون".
ويضيف أن أحد المعتقلين ردّ بهتاف" فلسطين حرة"، ما أدى لاحقاً إلى تشديد المعاملة ضد بعض المحتجزين.
وفي حديثه عن العودة إلى إسبانيا، انتقد غونثاليث ما جرى في مطار بلباو، حيث تعرض متضامنون مع الأسطول لدفع وعنف من الشرطة في أثناء استقبال الناشطين.
وقال إن ذلك يعكس" تغلغل العقيدة الأمنية الإسرائيلية داخل أجهزة الأمن الأوروبية".
وأضاف: " كثير من أجهزة الشرطة الأوروبية تلقت تدريبات من شركات أمن إسرائيلية، وهذا يظهر بوضوح في طريقة تعاملها مع المتضامنين".
وعلى الصعيد الشخصي، تحدث غونثاليث عن عائلته، قائلاً إن لديه ثلاث بنات اعتدن مشاركته النشاط التضامني مع فلسطين.
ويقول إنهن كنّ يعرفن مسبقاً طبيعة المخاطر، لكنه أشار إلى أن رؤية صور الاعتداءات جعلتهن يشعرن بالخوف الحقيقي لأول مرة.
ويختم حديثه لـ" العربي الجديد" برسالة واضحة: " سنعود مرة أخرى.
لا يمكن أن نكون شهوداً على إبادة جماعية ونقف صامتين".
ثم يضيف: " نحن أوروبيون، وصلت صور تعذيبنا إلى العالم.
لكن الفلسطينيين يُعذَّبون كل يوم بعيداً عن الكاميرات، ولا أحد يسمع صرخاتهم".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك