يشبه الخروج من التجارب المؤلمة الوقوع من أعلى «السطح»، كان هذا هو التشبيه الذي منحه لي رجل حكيم ذات مرة، ثم أردف: «لما حد بيقع من السطح مش بنطلب منه يقوم يطلع يجري.
بنلمه الأول ونشوف حصل له إيه» وقد بدت لي تلك الجملة على بساطتها ذات مغزى عميق، وجعلتني أعيد القراءة حول ما يعرف بـ«إرهاق التعاطف».
يحدث أن تكون قريباً من شخص تعرض لمأساة، ويحدث أن تملك قدراً كافياً من التعاطف واللطف والمحبة والرغبة الصادقة في المواساة، لكنك فجأة تجدك منهكاً، بعد وقت طال أو قصر، تشعر بأن الأمر صار «مملاً» أو ربما «ثقيلاً»، وهذه ليست قسوة أو هروباً، ثمة وصف علمي دقيق له يدعى «إرهاق التعاطف» يصيب هؤلاء الذين يظلون يقدمون الدعم لوقت طويل، خاصة حين لا يرون تحسناً ملحوظاً أو يصطدمون بانتكاسة تعقب التحسن، فيشعرون بأنه لا فائدة، لكن لماذا؟ثمة ظاهرة في علم النفس تدعى «التقليل من مدة وتأثير الألم النفسي» تدفع أقرب الداعمين إلى التعامل مع «المشكلة» باعتبارها «محطة» يجب أن يتجاوزها الناجون بأسرع طريقة ممكنة، وحين لا يحدث هذا تراود الداعمين مشاعر «العجز» وتلك مشاعر قاسية حقاً، قد تحول المساندة إلى هجوم، والتشجيع إلى لوم، والمبادرة إلى انسحاب وحتى هروب.
ثمة حقائق سخيفة لكنها تبقى حقائق، أولاها أن الشدائد لا تصنع أشخاصاً أقوى دائماً، وأن التقليل من الألم لا يسرع التعافي، وأن التعافي في الواقع لا يسير على خط ثابت ومحطات واضحة، لكنه يشبه الرسم البياني، أو ربما المد والجزر، أو الدوائر في بعض الأحيان، حيث يدور الإنسان داخل نفس الحلقة مراراً، وهذا لا يعني أن الأمل مات، ولكنه يعني أنه ربما بحاجة إلى أدوات مختلفة، أو تدخل متخصص، وليس فقط إلى مزيد من صبر المحيطين ودعمهم، كما أنه لا يعني أيضاً ضعفاً أو فشلاً، ربما كل ما يعنيه أن الخرق أكبر من أن يتم رتقه سريعاً.
لذا إن قُدر لك مصاحبة ناجٍ من مصيبة أو صدمة، وشعرت بأن الأمر أكبر من احتمالك، فتذكر دائماً أن الانتكاسة لا تعني فشلاً، وأن الدعم عبارة عن «منظومة» وليس «شخصاً»، لذا إن أردت أن تدعم بصدق فربما الطريقة الأفضل أن تساعده على بناء «نظام تعافٍ» يتضمن دعماً عملياً في صورة روتين وتنظيم حياة، ودعم عاطفي في صورة كلام ومواساة، والأهم دعم مهني من مختص إذا دعت الحاجة.
في دراسة طويلة المدى نشرتها دورية Psychological Bulletin وجدت أن وجود شبكة دعم اجتماعي قوية من أقوى عوامل التعافي النفسي بعد الأزمات، لذا إن كنت في موضع النصح والمساعدة، فربما يفيد أن تتعلم أكثر عن نظام التعافي العملي والذي قد يشمل مواعيد نوم ثابتة، وحركة جسدية يومية لا تقل عن 20 إلى 30 دقيقة من المشي أو النشاط البدني، والتواصل الاجتماعي المنتظم حتى لو اختفت الرغبة، كذلك تناول الطعام بانتظام وتقليل العزلة.
تجاهل الأحداث القاسية لا يمحوها وبحسب أبحاث عالم النفسي جيمس بينبيكر، فإن الكتابة المنتظمة عن الأحداث الصعبة قد تساعد بعض الأشخاص على تنظيم المشاعر وتقليل الضغط النفسي، هكذا إذا يمكن مساعدة شخص وقع من «السطوح» لتوه، لا تدعه يشعر بأن ألمه عبء، لا تنس أن الاكتئاب يحول «الآن» إلى «الأبد»، وأن الإنسان الذي عاش طويلاً بلا أمان، أحياناً يتعلم أن ينجو، لكنه ينسى كيف يرتاح أو يطمئن لذا دائماً وأبداً «لا بأس» بالمحاولة دون ضغط، وبالمساعدة عن وعي وبالدعم من دون مشاعر عجز أو غضب أو ضيق، فذلك معروف، لا أراه إلا كما صوره الرحمن: «ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً».

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك