صمدت الهدنة الأميركية - الإيرانية أقل من شهرين بقليل حتى الآن، توقفت خلالها الأعمال الحربية بين الأطراف الثلاثة أميركا وإسرائيل وإيران، إلا أنها استعرت على جبهة متفرعة كانت إيران تستخدمها دائماً لدى حاجتها إلى مناوشة إسرائيل وراعيتها الكبرى.
لم تهدأ الحرب على الجبهة اللبنانية يوماً منذ انتظام" حزب الله" في معركة إسناد حركة" حماس" قبل أقل من ثلاثة أعوام، وعادت وانفجرت بقوة مع تحول الحزب إلى إسناد إيران في الثاني من مارس (آذار) الماضي.
خلال الهدنة الأميركية - الإيرانية، دمرت وجرفت قرى الجنوب ومدنه المحاذية للحدود، ومعها فقد مئات آلاف السكان منازلهم وأراضيهم وأرزاقهم.
وعلى رغم الحديث الإيراني عن ربط مصائر الجنوب اللبناني بمصائر إيران وهدنتها، فإن الاستباحة الحربية الإسرائيلية للجنوب اللبناني لم تهدأ، كذلك لم تسعف الخطابات الإيرانية بغير تقديم المهدئ الأيديولوجي للأنصار، من دون جدوى مؤكدة.
وخلال أسابيع الهدنة، نشطت الوساطات من أجل اتفاق.
على الجبهة اللبنانية قادت الولايات المتحدة عملية لم تتضح خواتيمها في التفاوض بين الدولة اللبنانية وإسرائيل، وفي المقلب الآخر من المنطقة، قادت باكستان وحركت تلك الوساطات.
في الأثناء، وصلت الأمور مرات عدة إلى حافة الهاوية، وكان لدول الخليج العربي دور في ثني الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن شن هجوم كاسح في اللحظة الأخيرة قبل أسبوع، لكن في نهاية الأسبوع التالي عاد الحديث بقوة عن اتفاق.
مصدر الحديث كان في إيران كنتيجة لجهود باكستانية مكثفة انتهت إلى مذكرة إيرانية نقلت إلى واشنطن، حيث ألغى ترمب وأركانه عطلتهم في نهاية الأسبوع لمواكبة التطورات المحتملة.
قد يحصل الاتفاق وقد لا يحصل في مطلع أسبوع جديد من عمر النزاع.
بين الأسباب الكثيرة التي تدفع نحو تسوية ما، الانعكاسات الأساسية للنزاع على الأسواق العالمية وربما أيضاً استخلاصات ترمب من حصيلة محادثاته في بكين، ثم زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى العاصمة الصينية، لكن هذه الدوافع غير كافية لإيجاد أرضية مشتركة بين أطراف النزاع، إيران ومشروعها المذهبي النووي من جهة، وأميركا مع مطالبها النقيضة تماماً من جهة ثانية، فما الذي يمكن أن يحصل لكي يصبح الاتفاق متاحاً؟قد تكون مناخات قمتي بكين الصينية - الأميركية ثم الصينية - الروسية خلال أقل من أسبوع، دافعاً رئيساً وراء أي خطوة يقررها ترمب نحو استعادة سلام المنطقة وأمن نفطها وغازها، سلماً أو حرباً.
وفي مناخات بكين ربما تنضج يالطا جديدة بين القوى الكبرى الثلاث، لكنها حتى الآن، يالطا من دون ذراع مسلحة.
ففي العلاقة بين الأقطاب الثلاثة تقارب ملموس وتمايزات تحكمها عناوين كبرى: اتفاقات ألاسكا بالنسبة إلى علاقة موسكو بواشنطن.
و" لنجعل بلدينا عظيمين" كما خاطب الرئيس شي جينبينغ نظيره الأميركي مرتين: الأولى في الصيف الماضي في كوريا الجنوبية والثانية في بكين قبل أيام.
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)لن يزعج ترمب" صديقيه" الصيني والروسي، وسيستمع إلى حلفائه في المنطقة ويطلب رأيهم في وقف الحرب، وهم أبلغوه بترحيبهم، فيما حرص الباكستانيون على إعداد وإيصال مذكرة التفاهم في صيغها النهائية.
يعرف ترمب الذي ينزل في المذكرة عن شجرة الأهداف الجذرية أنه في نظام بلاده سيتعرض للمساءلة واختبارات التصويت والسقوط والنجاح والمحاسبة، وهذا ما لا" يعانيه" قادة إيران، إذ يجعلون صوت المعركة أقوى من كل الأصوات وهم المنتصرون في كل حين.
وتقترب المذكرة في الصيغ التي جرى تداولها إلى وقف للحرب ابتداء من نقطة لم تكن مطروحة في جدول أهداف تلك الحرب.
لم يكن أحد يتحدث عن هرمز في البداية، فصار فتح المضيق وإقفاله سلاح إيران النووي.
وفي المذكرة التي يفترض أن تذاع اتفاق أن فتح المضيق سيسبق مفاوضات في شأن القضايا الخلافية الأخرى: النووي والصواريخ والأذرع، لكن الجدول الإيراني لا يتضمن أياً من هذه النقاط، مما يبقي سير الاتفاق، إن جرى توقيعه، رهن ظروف المرحلة القريبة المقبلة.
العارفون بعقل الإدارة الإيرانية لا يرون في موافقتها على الانطلاق في عملية سلام مع أميركا وإسرائيل إلا تلاعباً وكسباً للوقت.
صحيفة" كوميرسانت" الروسية كتبت بعيد زيارة بوتين وترمب إلى بكين:" حتى الآن، تتبادل إيران والولايات المتحدة الرسائل بنشاط، إذ يتعارض كل عرض سلام مع الآخر.
تتغير النصوص في كل مرة، لكن الجوهر يبقى كما هو.
وفي غضون ذلك يتكبد العالم خسائر، ويتعرض البيت الأبيض لضغوط لحل المشكلة، ولا يمكن أن يستمر هذا الوضع طويلاً".
تتابع الصحيفة الروسية قائلة: " تفترض إيران أن القوى الاستعمارية الغربية لا ترغب في القتال، وتحاول كسب الوقت.
هذا ليس سراً، فقد كتب عن ذلك في الصحف ونوقش في البرامج الحوارية التلفزيونية.
وقريباً، ستفتتح بطولة كأس العالم، وهي حدث بالغ الأهمية لصورة الرئيس الـ47.
ففي ظل حرب كبرى سيكون التأثير واضحاً، كذلك سيستغل كثير من الخصوم داخل أميركا هذا الوضع لانتقاد دونالد ترمب.
وإذا مدد وقف إطلاق النار لستة أسابيع أخرى، فإن انتخابات الكونغرس تصبح على الأبواب.
نظرياً، كان يمكن أن تندلع جولة أخرى من الحرب الآن، إذ لا تستطيع واشنطن الانتظار أكثر من ذلك، بخاصة أن طهران تصعد الموقف يومياً، وهي تهدد بقطع خطوط الاتصالات عبر المضيق.
وترمب صعد، لا سيما بعد زيارته الصين، من لهجته: " كفى مماطلة، اقبلوا الشروط، وإلا ستواجهون غضبي".
ربما لدى الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة خطة لحل المشكلة بأقل قدر من إراقة الدماء.
ومع ذلك، يبدو أن الشرق الأوسط سيعود ليصبح الموضوع الأول في وسائل الإعلام العالمية في المستقبل القريب جداً.
في كل الأحوال، قد تكون الهدنة حاجة ضرورية لجميع الأطراف، لكنها هدنة بطعم حرب لم تنته، وتحمل في طياتها تجارب وخلاصات أعوام من القتال على امتداد المنطقة.
سيكون اتفاق هرمز أشبه لترمب باتفاق نتنياهو مع" حزب الله" في لبنان، بمعنى أنه يحفظ للولايات المتحدة الحق بالتدخل إن لم يحصل تقدم في بنود الخلاف الأخرى، وسيكون شمول وقف النار في الجبهة اللبنانية محكوماً بالشرط الإسرائيلي الذي تتبناه أميركا في لبنان، وهو رعاية حرية الحركة الإسرائيلية ضد ما تعتبره" الذراع الإيرانية الأقوى".
في هرمز ولبنان ينطلق اختبار الاتفاق الأميركي - الإيراني، وفي الساحتين عوامل الانفجار أقوى بما لا يقاس.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك