في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها الضفة الغربية، لم تعد السياسات الإسرائيلية الحالية تقرأ بوصفها إجراءات أمنية مؤقتة أو ردود فعل ظرفية، بل باتت تعكس مشروعا سياسيا متكاملا يسعى إلى فرض وقائع جديدة على الأرض، يصعب التراجع عنها مستقبلا.
فالتوسع الاستيطاني المتسارع، ومصادرة الأراضي حتى في مناطق كان يعتقد سابقا أنها خارج نطاق الضم التدريجي، والاقتحامات العسكرية اليومية، إلى جانب سياسات الخنق الاقتصادي واحتجاز أموال المقاصة، كلها مؤشرات على أن الحكومة الإسرائيلية الحالية تتعامل مع المرحلة باعتبارها" الفرصة الأخيرة" لإعادة تشكيل المشهد الفلسطيني قبل أي تغيرات إقليمية أو دولية محتملة.
السيناريو الأكثر تعقيدا بالنسبة لإسرائيل فهو اندلاع حراك شعبي واسع بلا قيادة مركزية واضحة، مدفوع أساسا باليأس الاقتصادي والاجتماعي وفقدان الثقة بالحلول السياسيةاللافت أن هذا التوجه لا يقتصر على أطراف اليمين المتطرف داخل الحكومة، بل يمتد بصورة أو بأخرى إلى جزء واسع من النخبة السياسية الإسرائيلية، التي تختلف في أدواتها لكنها تتفق في جوهرها على منع قيام دولة فلسطينية ذات سيادة.
فاليمين يدفع نحو الضم التدريجي والهجرة القسرية الناعمة عبر إنهاك الفلسطينيين اقتصاديا واجتماعيا، بينما تطرح بعض قوى الوسط واليسار الإسرائيلي مقاربات" إدارة التعايش" دون منح الفلسطينيين أفقا سياسيا حقيقيا.
وفي الحالتين، يبقى الفلسطيني محاصرا بين سياسات السيطرة الأمنية والتآكل الاقتصادي.
اقتصاديا، تبدو الضفة الغربية اليوم أمام واحدة من أخطر مراحلها منذ سنوات.
فاحتجاز أموال المقاصة لا يعني فقط أزمة سيولة للحكومة الفلسطينية، بل ينعكس مباشرة على قدرة الاقتصاد المحلي على الاستمرار.
تراجع الإنفاق الحكومي، وتعطل رواتب الموظفين، وارتفاع معدلات البطالة والفقر، كلها عوامل تؤدي إلى تفكيك تدريجي للبنية الاقتصادية والاجتماعية الفلسطينية.
ومع غياب أفق سياسي، تتحول الضغوط المعيشية إلى بيئة خصبة للانفجار الشعبي.
وهنا تبرز المفارقة التي تدركها حتى بعض الدوائر الأمنية والسياسية داخل إسرائيل.
فعدد من التقارير والتحذيرات الصادرة عن مؤسسات أمنية إسرائيلية تحدثت مرارا عن مخاطر الوصول إلى" نقطة اللاعودة" في الضفة الغربية، أي اللحظة التي تتحول فيها حالة الاحتقان اليومية إلى انتفاضة شعبية واسعة يصعب احتواؤها أو السيطرة عليها.
يدرك قادة اليمين الإسرائيلي، وعلى رأسهم شخصيات مثل بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير، أن اللحظة الحالية قد لا تتكرر سياسيا، خصوصا مع احتمالات تغير المشهد الانتخابي الإسرائيلي مستقبلافالانتفاضات التقليدية، رغم كلفتها، كانت تمتلك قيادة سياسية أو تنظيمية يمكن التفاوض معها أو احتواء تحركاتها.
أما السيناريو الأكثر تعقيدا بالنسبة لإسرائيل فهو اندلاع حراك شعبي واسع بلا قيادة مركزية واضحة، مدفوع أساسا باليأس الاقتصادي والاجتماعي وفقدان الثقة بالحلول السياسية.
وقد أظهرت تجربة السابع من أكتوبر/تشرين الأول، مهما اختلفت القراءات حولها، أن الانفجار الأمني لا ينفصل عن البيئة الاقتصادية والإنسانية التي تسبقه.
فسنوات الحصار والضغط المعيشي في غزة أنتجت واقعا شديد الانفجار، بينما تتكرر اليوم في الضفة الغربية مؤشرات مشابهة من حيث التضييق الاقتصادي، وتقييد الحركة، وتآكل الطبقة الوسطى، وغياب أي أفق سياسي حقيقي.
في المقابل، يدرك قادة اليمين الإسرائيلي، وعلى رأسهم شخصيات مثل بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير، أن اللحظة الحالية قد لا تتكرر سياسيا، خصوصا مع احتمالات تغير المشهد الانتخابي الإسرائيلي مستقبلا.
لذلك تسعى هذه القوى إلى تكريس أكبر قدر ممكن من الوقائع الميدانية في الضفة الغربية، بحيث تصبح أي حكومة إسرائيلية لاحقة- حتى لو كانت أكثر اعتدالا- عاجزة عمليا عن التراجع عنها.
أما بنيامين نتنياهو، فيبقى اللاعب الأكثر براغماتية في المعادلة الإسرائيلية.
فالرجل الذي نجح لعقود في إعادة تشكيل تحالفاته وفق موازين القوة، يدرك أن بقاءه السياسي مرتبط بقدرته على إدارة التناقضات الداخلية الإسرائيلية، حتى وإن جاء ذلك على حساب استقرار المنطقة بأكملها.
ولذلك تبدو سياساته أقرب إلى إدارة دائمة للأزمات، لا إلى البحث عن حلول حقيقية لها.
التاريخ أثبت مرارا أن الاستقرار لا يمكن أن يبنى على القهر الاقتصادي أو السيطرة العسكرية وحدها.
فكلما تآكلت فرص الحياة الطبيعية، واتسعت فجوة العدالة والأمل، اقتربت المنطقة أكثر من دورة جديدة من عدم الاستقراروفي ضوء هذه المعطيات، يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية لما قد تشهده الضفة الغربية خلال المرحلة المقبلة:أولا، سيناريو الانتفاضة الشعبية الواسعة، وهو الاحتمال الذي تتزايد التحذيرات منه داخل إسرائيل نفسها، خصوصا مع استمرار التصعيد الاقتصادي والاستيطاني.
مثل هذا السيناريو قد يتخذ طابعا أكثر تعقيدا من الانتفاضات السابقة بسبب غياب القيادة المركزية وتداخل البعدين الاقتصادي والأمني.
ثانيا، سيناريو الضم التدريجي غير المعلن، عبر توسيع السيطرة الاستيطانية وفرض وقائع ميدانية جديدة تؤدي فعليا إلى تقويض أي إمكانية لقيام دولة فلسطينية مستقبلا.
ثالثا، سيناريو الصدام الداخلي الإسرائيلي، خاصة إذا وصلت حكومة إسرائيلية أكثر اعتدالا مستقبلا وحاولت التراجع عن بعض السياسات التي فرضها اليمين المتطرف في الضفة الغربية، ما قد يفتح الباب أمام مواجهة بين المستوطنين المسلحين ومؤسسات الدولة الإسرائيلية نفسها.
ورغم اختلاف هذه السيناريوهات، فإن النتيجة المشتركة بينها تبقى واحدة: استمرار إنهاك الفلسطينيين اقتصاديا واجتماعيا ودفعهم تدريجيا نحو الهجرة أو الانفجار أو القبول بواقع سياسي مفروض بالقوة.
لكن التاريخ أثبت مرارا أن الاستقرار لا يمكن أن يبنى على القهر الاقتصادي أو السيطرة العسكرية وحدها.
فكلما تآكلت فرص الحياة الطبيعية، واتسعت فجوة العدالة والأمل، اقتربت المنطقة أكثر من دورة جديدة من عدم الاستقرار، ستكون كلفتها هذه المرة أعلى على الجميع.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك