الضفة المحتلة – “القدس العربي”: ما زالت رائحة الخراف المتفحمة في أنف المزارع خليل أبو غنام بعد شهرين على الجريمة البشعة التي ارتكبها مستوطنون بحق 75 رأسًا من الماعز في بلدة السموع جنوب محافظة الخليل.
وحولت المادة الحارقة التي ألقاها مستوطنون متطرفون داخل حظيرة أبو غنام جميع الحيوانات داخلها إلى خراف متفحمة، فيما عكس مظهرها، الذي وثقته كاميرا المراقبة الخاصة بالمزارع، بشاعة جريمة لا يمكن تخيلها.
رئيس “اتحاد جمعيات المزارعين” لـ”القدس العربي” ما يحدث هو تدمير كامل لمصادر رزق وحياة المزارعينويعيش في بلدة السموع نحو 26 ألف نسمة، يعتمد جلهم على الزراعة وتربية المواشي، فيما يُنظر إلى هجمات المواشي والحيوانات على أنها من الدرجة الثانية بعد هجمات إحراق الأراضي ومصادرتها، رغم أنها تلعب دورًا كبيرًا في خلق تحولات اقتصادية واجتماعية وتنموية في دورة الحياة بالنسبة للمزارعين، وتساهم في تهجيرهم، بحسب الخبير الزراعي عباس ملحم، في حديث مع “القدس العربي”.
ويرى ملحم أن الحادثة “صادمة وحدثت حقيقة”، مشددًا على أن استهداف مصادر الثروة الحيوانية من مواشٍ وأبقار وخيول ودجاج، هو بمثابة قطع اليد الثانية للمزارع الفلسطيني، بعد استهداف الأراضي التي تشكل المصدر الأول للحياة والبقاء.
ورغم الجريمة البشعة التي تمثلت بإحراق عشرات الخراف داخل مزرعة أبو غنام، فإن المستوطنين اتصلوا به بعد الحادثة، وأكدوا أنه يستحق ما تعرض له، وهددوا بأن الهجمات المقبلة ستكون أكثر عنفًا.
وقدرت مصادر محلية الخسائر المادية بنحو 200 ألف شيقل، وهي سياسة استيطانية جديدة تندرج ضمن ما يسمى اعتداءات “تدفيع الثمن”، التي تستهدف ممتلكات الفلسطينيين لترهيبهم وتضييق الخناق عليهم.
وتأتي هذه الهجمات ضمن سلسلة انتهاكات متكررة تستهدف ممتلكات الفلسطينيين في محيط بلدة السموع، حيث داهمت قوات الاحتلال المنازل ونصبت حواجز عسكرية وهددت حياة السكان وعملت على تقييد حركتهم.
ويرى نشطاء أن أحد الأسباب الرئيسية لتعرض السموع لهذه الانتهاكات هو قربها من تجمعات استيطانية إسرائيلية تقام على الأراضي الفلسطينية، من بينها مستوطنة عسائيل، جنوب غرب السموع، وهي تقع على بعد ثلاثة كيلومترات جنوب شرق مستوطنة شمعة، وتقع ضمن نطاق سلطة مجلس جنوب جبل الخليل الإقليمي.
في خربة الطويل، في الجنوب الشرقي من مدينة نابلس، كانت هجمة المستوطنين مختلفة، حيث هاجمت مجموعات من المستوطنين، في منتصف شهر أيار / مايو 2026، رعاة الأغنام في الخربة التي تتبع بلدة عقربا جنوب نابلس، مستخدمين “تراكتورون”، مركبة دفع رباعي، لدهس قطيع من الأغنام.
وخلال العملية، وثق مواطنون قيام المستوطنين بالتقدم إلى وسط القطيع، الذي حاول الاحتماء بشجرة، لكن المركبة تمكنت من دهس أربعة خراف.
وأظهر الفيديو المركبة وهي تقف على الخراف المدهوسة التي كانت تصدر أصوات الألم والوجع، من دون أن يرف للمستوطنين جفن.
وخلال الأشهر القليلة الماضية، تحولت سرقة المستوطنين لأغنام وأبقار وممتلكات الفلسطينيين من حالات فردية أو شاذة إلى ظاهرة شائعة ومنظمة ومحمية من الجيش الإسرائيلي، تتشابه تفاصيلها في كافة التجمعات، وتوثقها مقاطع فيديو نشرها مواطنون وناشطون أجانب، وتؤكدها تقارير منظمات حقوقية، وأبرزها منظمة “بتسيلم” الحقوقية الإسرائيلية.
أما وفق ما قدمته معطيات منظمة “البيدر” الحقوقية، فقد سرق المستوطنون خلال 2025 وحتى اليوم أكثر من 12 ألف رأس من الماشية، ونحو 1500 رأس منذ بداية 2026.
وفي حديث رئيس “اتحاد جمعيات المزارعين” عباس ملحم مع “القدس العربي”، شاركنا مخاوفه في ظل ما يترتب على حالات السرقة، وجعل حياة المزارعين ومربي الماشية جحيمًا لا يطاق.
ويشدد ملحم: “إذا سرقنا منك أرضك نكون كمن يقطع يدك، أما اليد الثانية فيتم قطعها إذا حرمت من الحيوانات التي تقوم بتربيتها، وهي مصدر الحياة الثانية للمزارعين”.
ويضيف: “في حال تم استهداف الأرض والحيوانات، فإن ما يحدث هو تدمير كامل لمصادر رزق وحياة المزارعين، وبالتالي تحويل حياة المزارعين إلى جحيم وحرمانهم من كل مقومات الصمود”.
ويرى ملحم أن المستوطنين يدركون تمامًا من أين وكيف يمكن قلع المزارع الفلسطيني من صموده، أما عملية قتل الأغنام ومصادرتها وسرقتها وكل ما يجعل من حياته ممكنة، فتعني قتل الحياة وكل مقوماتها وأرضها.
ويتابع: “ما يجري هو أكبر عملية إيلام وفعل قتل فظيع”.
ويرى أن عمليات سرقة قطعان الأغنام تحدث يوميًا، ومعروف تمامًا من قام بسرقتها.
هناك مقاطع مصورة بالفيديو، ووجوه السارقين مكشوفة في أغلب الأحيان، وعندما تذهب لرفع قضية من خلال الشرطة الإسرائيلية، فإن الجواب يكون جاهزًا ومفاده أن هذه الأغنام ليست لك.
وبحسب ملحم، فإن عدد ما سُرق من الماعز والأغنام من بداية السنة وحتى اليوم يصل إلى 20 ألف رأس تقريبًا، حيث توجد أعداد غير مسجلة رسميًا، وهذا يشمل ما قُتل ذبحًا أو سُرق.
ويرى أن المعطيات تقول إن عمليات استهداف المزارعين تعزز إجراءات الطرد الإجباري.
وحول ما تقوله البيانات بشأن قطاع التربية الحيوانية، شدد ملحم على أن البيانات سابقًا كانت تقول إن لدينا مليونًا و750 ألف رأس غنم، وهو خزان الأمن الغذائي من اللحوم الفلسطينية، أما الأعداد اليوم فإنها لا تزيد عن 480 ألف رأس من الغنم، وهذا يعني، بشكل تقريبي، نسبة 28 إلى 29% من مجمل الأغنام التي كانت موجودة في فلسطين قبل سنوات قليلة.
ويضيف: “العدد السابق كان يحقق مستوى عاليًا جدًا من الأمن الغذائي، سواء في اللحوم أو في الألبان والأجبان”.
وبحسب ملحم، فإن المصيبة لا تكمن في ذلك النقص فحسب، بل في وجود من يملأ الفراغ، حيث يقوم المستوطنون السارقون بعمليات التربية بفعل السرقة أو حتى الشراء، وذلك بفعل الدعم المالي والحماية الأمنية التي يوفرها الجيش.
ويتوقع بحسرة أن تنقلب الصورة في الضفة خلال السنوات الخمس المقبلة، بحيث إذا احتاج المواطن الفلسطيني إلى أضحية في عيد الأضحى كي يتقرب بها إلى الله، فإن عليه أن يشتريها من مستوطنين.
ويرى ملحم أن الحكومة اليمينية الإسرائيلية الحالية، ولأول مرة في تاريخ حكومات الاحتلال المتعاقبة، وضعت نصب عينيها تنفيذ سياسة الضم والسيطرة، وكي تحقق ذلك فقد أوكلت تلك المهمة الميدانية إلى المستوطنين المحميين.
يقول: “في حالات معينة، هناك مجموعات من المستوطنين تتمتع بقوة تفوق قوة الجيش، ويمارسون سياسة إنفاذ القانون مباشرة، ولهذا الغرض تشكلت مجموعات مسلحة منظمة وشبه منظمة، والهدف يمكن إجماله بتطهير الأرض الفلسطينية وجعلها فارغة من سكانها التاريخيين”.
ويشير إلى أن هناك تقنيات يستخدمها المستوطنون، مثل الهجوم على العائلات الزراعية وطرد العائلات أو منعها من الوصول إلى أراضيها، وتخريب المشاريع الزراعية والهياكل الزراعية القائمة للمزارعين، إلى جانب سرقة الأغنام وقتلها ومنع وصول القطعان إلى مناطق الرعي التي تعد من أهم المناطق للرعاة ومربي الثروة الحيوانية.
ويشير إلى أن هجمات الليل للمستوطنين تعتمد على الهجوم بهدف التخويف أو الضرب والجرح أو الربط والتهديد بالحرق، وتخريب مصادر الرزق وسرقة الأعلاف والأدوات والأغراض الأساسية، وكذلك تعطيل شبكات المياه والري والزراعة، وهو ما يجعلها “هجمات فعالة وقابلة للتكرار، وتحقق للمستوطنين أهدافهم”.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك