منذ أن أنجز المخرج سامر عمران صيغته من مسرحية" المهاجران" عام 2008 عن نص سلافومير مروجيك (1930-2013)، تتالت بعدها الصيغ السورية من هذا النص للكاتب البولوني الساخر.
حقق كل من الأخوين ملص تجربة عنه عام 2016 بعنوان" اللاجئان"، وكذلك قدم الفنان وليد العاقل نسخته بعنوان" شتات" عام 2024.
اليوم يقدم المخرج هاشم غزال تصوره عن هذا النص بالعنوان الأصلي ذاته على مسرح المركز الثقافي في اللاذقية.
تروي المسرحية (مؤسسة الرواد) حكاية حسن (محمد إبراهيم)، عامل فني حُفر صحية يعيش برفقة نجيب (مصطفى جانودي) الناشط والكاتب السياسي في قبو رطب.
رجلان يتقاسمان فضاء داكناً تحفُّ به أنابيب الصرف الصحي من كل حدب وصوب.
لا يجمع بين الرجلين شيء سوى مرارة المنفى الذي قدما إليه، فالأول يكد في عمل شاق ولا إنساني ليجمع المال بغية العودة إلى زوجته وأولاده، أما الثاني فهو مطارد تلاحقه السلطات في بلاده نتيجة آرائه السياسية.
نتعرف إلى ماضي قصة كل من اللاجئين عبر ما يشبه مقطع عرضي من حياتهما البليدة، فالمثقف على نقيض من صديقه الكادح والعامل البسيط، الذي لا يتوانى عن إثارة مفارقات كلامية، يتوقف عندها رفيقه في السكن بما يشبه تحليلاً مستمراً لسلوكه الفج، إزاء الحياة والشهوة والخوف من المجهول.
تبدأ" المهاجران" من لحظة وصول حسن إلى المكان قادماً من محطة القطارات الرئيسة، فيما يغطُّ نجيب في سريره مستمعاً إلى موسيقى باخ من مسجلته الصغيرة.
يروي العامل تفاصيل مغامرة خلبية جرت له مع إحدى النساء الأجنبيات، لكن نجيب سوف يعيد ترتيب حكاية صديقه، فهو اعتاد على ما يبدو على شطحات خياله، أو بالأحرى كذبه ومحاولة هروبه من الواقع إلى ما تمليه عليه مخيلته لتجميل حياته الشاحبة.
الأمر الذي يثير نقاشاً لا يهدأ بين الرجلين.
نشعر مع تقدم النقاش أن الهوة تتسع بينهما، فالعامل يتهرب من دفع أجرة القبو، ويكتفي بالتهام معلبات جلبها صديقه كي يوفر في المصروف.
كل هذا ليس شيئاً أمام معاناة نجيب من صوت شخير رفيقه طوال الليل.
فلكل منهما ذائقة في الطعام والنساء ومواعيد الطعام، وشتان بين أغاني الكراجات وسيمفونيات بيتهوفن ورحمانينوف، التي يطيب لنجيب الاستماع إليها وهو يقرأ في كتبه، منزوياً في ركنه الصغير.
يتخذ العرض من يوميات الرجلين تفاصيل عدة تكشف جوانب خفية من حياة الشخصيتين.
فما يبدو لعامل بسيط ذي أهمية وقيمة، لا يبدو كذلك لرجل مثقف ذاق مرارة الاعتقال والتعذيب في سراديب النظام.
كل شيء هنا يصبح مشكلة.
إعداد الشاي وإصلاح أنبوب الصرف الصحي الذي يرشح مياهاً مالحة.
معلبات اللحوم التي ابتاعها حسن ولم يعرف أنها طعام للكلاب.
مواجهات صغيرة لا تفتأ أن تستحيل إشارات لمصاعب العيش في بلاد اللجوء، وصولاً إلى كشف المستور ونبش دمية العامل القماشية التي يخبئ فيها ما جناه من أموال طيلة عمله المضني.
يحدث هذا بعد اتهام يوجهه الرجل المثقف للعامل المسكين بأنه بلا كرامة، وكي يثبت له هذا الأخير عكس ذلك يقوم بتمزيق أمواله.
فيمنعه نجيب عن فعله وقد طالته الحسرة والندم لكونه هو من أوصل صديقه البسيط إلى هذا التصرف.
استطاع مخرج" المهاجران" أن يقدم تصوره عن نص مروجيك وفق تناظر واضح في قطع الديكور (رغداء جديد).
سرير ومكتبة وطاولة وكرسيان وجدران تعلوها صور شخصية وأخرى لفنانين عرب وأجانب.
شريط من لمبات (مصابيح) استعارها هاشم غزال للدلالة على وحشة المكان وإضاءته غير المنتظمة (أحمد بسمة).
معالجة بصرية تكاد تتناوب مع تيار مشاعر كلا الشخصين، إذ يسوق المخرج هذا الفضاء كإشارة على وحشة تتفاقم بين عالمين.
عالم القبو الرطب والموحش، والعالم الخارجي الذي نسمع أصوات احتفالاته بقدوم عيد رأس السنة الميلادية.
يصغي نجيب لأصوات خلع ملابس الأزواج وذهابهم ليلاً إلى أسرة غرف النوم.
يصيخ السمع لأنفاسهم المضطرمة المتسربة عبر أنابيب الصرف الصحي، فيما هو يقعي خائفاً في زاوية باردة من ركنه المعتم.
في الوقت ذاته نشاهد العامل كيف يعاني نوبات رُعاش في يده نتيجة عمله اليومي على آلة الحفر الكهربائية.
ومع هذه الاضطرابات في الظروف المضادة لكل من الرجلين، يتولد التعاطف بينهما، فيبوح المثقف والناشط السياسي بما لاقاه من إهمال وتهميش وذعر من أجهزة النظام واستخباراته.
بينما يحلم العامل بالعودة إلى كنف زوجته وأطفاله.
يحلم ببناء بيت في قريته النائية وبليالٍ دافئة في أحضان زوجه.
لقد مل من تصفح صور النساء في مجلات عروض الأزياء، ومل من تأليف مغامرات خيالية أقرب إلى أحلام يقظة مع امرأة أجنبية صعدت معه مقصورة قطار من الدرجة الأولى، فيما كان هو لا يملك حتى أجرة اللجوء إلى مرحاض عمومي لقضاء حاجته.
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)في هذا الجو من الاعترافات المتبادلة يروي نجيب أيضاً كيف كان قرداً في حديقة حيوان بلاده، وكيف حاول عشرات المرات أن ينتزع دور القيصر الذي أحرق روما.
لكن هذا الدور لم يتحقق فالقيصر هو وحده من يحق له ذلك، وليس لأي كاتب أو مثقف أن ينافس القيصر على شهواته.
إشارة لضرورة هدم النظام والتأسيس لدولة العدالة والحريات العامة.
لغة المثقف هنا لا يفهمها العامل الذي يفضل أن يعبّر عن أحاسيسه بلغة سهلة وبسيطة، ومن دون تنميق أو استخدام لمصطلحات من مثل الليبرالية وديكتاتورية البروليتاريا وسواها من التراكيب التي تضخّم المفارقة بين الشخصيتين.
وعلى رغم أن الصراع في" المهاجران" لا يتخذ من الأحداث سياقاً، فإنه يراكم في سلسلة من أفعال يقوم بها بطلا العرض، مرة في مهمات صغيرة ومرات في مبارزات كلامية، تبدو كأنها انتزعت من سياق يوميات لا قيمة لها.
هذه اللعبة تقود إلى صراع بين مقولات كبرى تمثلها شخصية المثقف، وهموم عادية جسدتها شخصية العامل بكامل فطريته وولعه بالنساء والطعام والنوم.
عمد هاشم غزال إلى أسلوب المسرح الطبيعي لصياغة عرض يقدم ما يشبه مراجعة عن حياة اللاجئين السوريين، وما عاناه هؤلاء في بلاد لم يستطيعوا الاندماج مع عادات مجتمعاتها.
أضف إلى ذلك الحنين القاتل إلى الوطن الأم، وما يتخلله من شعور بالفقدان واليأس وقلة التدبير.
ساق المخرج نسخته من الصيغة الأولى للعرض الذي ترجمه وأخرجه ولعب فيه دور البطولة الفنان سامر عمران عام 2008، وهي صيغة كان قد وثقها المخرج محمد عبدالعزيز في شريط روائي طويل (إنتاج شركة الشرق) عام 2009، منتصراً لشرط تقديمه ضمن ملجأ حربي في منقطة القزاز في دمشق.
شرط استغنى عنه هاشم غزال كخيار فني، وآثر تقديمه على مسرح الإطار.
وهذا ربما لم يكن في صالحه بما تفرضه العلبة الإيطالية من مسرحة لأداء الممثلين ومحاولة تعويض المكان الأصلي للأحداث، لكنه في الوقت ذاته يؤكد أن نص مروجيك أمسى لازمة مسرحية سورية لهجاء حياة المنفى والمنفيين على حد سواء.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك