لبيك ربى وإن لم أكن بين الزحام ملبياًلبيك ربى وإن لم أكن بين الحجيج ساعياًلبيك ربى وإن لم أكن بين عبادك داعياًلبيك ربى وإن لم أكن بين الصفوف مصلياًبينما كنت أتابع مشهد الحجاج وهم يتوافدون إلى جبل عرفات الطاهر تملكتنى مشاعر يصعب وصفها بالكلمات.
لا أراه مجرد تجمع لملايين البشر، بل أراه لقاءً روحياً عظيماً.
ومع كل لقطة تنقلها الشاشات من جبل الرحمة وسهل عرفات، تعود بى الذاكرة إلى تلك الأيام المباركة التى منّ الله علىّ بأداء فريضة الحج.
عرفات بالنسبة لى ليس مجرد بقعة جغرافية، بل صفحة مضيئة من العمر، ومشهد خالد لا يغادر الوجدان.
هناك تذوب الفوارق بين الناس، وتتجرد الأرواح من هموم الدنيا، ويقف الجميع فى حضرة الخالق سبحانه وتعالى، يرجون رحمته ويطلبون عفوه ومغفرته.
وما زلت أذكر رهبة الموقف وجلال المكان وسكينة اللحظات التى تجعل الإنسان أقرب ما يكون إلى نفسه وإلى ربه.
لكل شبر فى الأراضى المقدسة معى حكاية عشق لا تنتهى.
مكة المكرمة بأجوائها الإيمانية الفريدة، والكعبة المشرفة التى تهفو إليها القلوب قبل الأبصار، والمسجد الحرام الذى لا يمل المرء من النظر إليه، والمدينة المنورة التى تغمر الزائر بسكينة لا تشبهها سكينة، ومسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم الذى يشعر الإنسان فى رحابه بطمأنينة لا توصف.
إن مشاهدة الحجاج وهم يرفعون أكفهم بالدعاء فوق أرض عرفات توقظ فى داخلى الحنين إلى تلك الرحلة المباركة، وتعيد إلى الذاكرة أصوات التلبية ودموع الخشوع ومشاهد الإيمان الخالص.
فأدرك أن الحج ليس رحلة تنتهى بالعودة إلى الوطن، بل تجربة تبقى حية فى القلب ما بقى العمر، وأن عشق الأراضى المقدسة يزداد مع الأيام ولا ينقص، لأن الأرواح التى تعلقت ببيت الله الحرام لا تنسى أبداً تلك النفحات الربانية التى غمرت وجدانها.
مشهد ملايين الحجاج على صعيد عرفات يؤكد المعنى الحقيقى لقوة الأمة الإسلامية عندما تتوحد، ورأيت بأم عينى كيف يمكن لملايين البشر أن يجتمعوا فى مشهد مهيب يسوده النظام والمحبة والسلام.
كان المشهد رسالة ربانية بليغة تؤكد أن قوة المسلمين ليست فى كثرتهم العددية فحسب، بل فى وحدتهم وتماسكهم وتكاتفهم.
لكن فى الوقت الذى نستقبل فيه عيد الأضحى هذا العام، تبدو أمتنا العربية والإسلامية أحوج ما تكون إلى استلهام دروس عرفات.
فما نشهده من دماء تسيل فى غزة والضفة الغربية والسودان ولبنان وسوريا واليمن، يفرض على الجميع مسئولية تاريخية للعمل من أجل إعلاء صوت الحكمة ووقف نزيف الدماء وحماية الشعوب وصيانة الأوطان.
إن وحدة الصف والتعاون بين الدول العربية والإسلامية يمثلان ركيزة أساسية لمواجهة التحديات والأزمات التى تكاد تعصف بالمنطقة، وللدفاع عن الحقوق المشروعة للشعوب، وفى مقدمتها حق الشعب الفلسطينى فى العيش بأمن وكرامة وإقامة دولته المستقلة.
فالتحديات المشتركة لا يمكن مواجهتها إلا بالتضامن والتنسيق والعمل المشترك.
وبهذه المناسبة ندعو الله أن يحفظ مصر والمصريين من كل سوء.
لقد أثبت الشعب المصرى عبر تاريخه الطويل أنه قادر على حماية دولته ومؤسساته والتصدى لكل التحديات، وأنه يدرك قيمة الأمن والاستقرار فى عالم يموج بالصراعات والأزمات.
ومن هنا تبرز أهمية استمرار التكاتف الوطنى ودعم جهود التنمية والبناء التى تشهدها البلاد، والالتفاف حول القيادة السياسية والوقوف صفاً واحداً خلف الرئيس عبدالفتاح السيسى الذى قاد سفينة البناء إلى بر الأمان.
ندعو الله -عز وجل- أن يحفظ مصر وشعبها وجيشها وشرطتها، وأن يعم الأمن والسلام ربوع الوطن العربى والإسلامى، وأن تتوقف الحروب والصراعات، وأن يعود الاستقرار إلى كل أرض أنهكتها الأزمات.
كما نسأله سبحانه أن يجعل هذا العيد عيد خير وبركة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك