عادت التخوفات من تهديد الذكاء الاصطناعي للإبداع البشري إلى مركز الضوء مؤخرا، مع الاتهامات التي طالت قصة «الأفعى في البستان» للكاتب التريندادي جمير نذير، الفائزة بجائزة الكومنولث عن منطقة الكاريبي، بأنها مولدة آليا.
ما يجعل الأزمة مختلفة هذه المرة أنها طالت مؤسسات لطالما نُظِر إليها بتقدير في المشهد الأدبي العالمي مثل مؤسسة الكومنولث، التي منحت منذ تأسيسها في 2012، الفرصة لكتاب عديدين من الهامش كي يجدوا موطئ قدم لهم في قلب المشهد الأدبي الأنكلوفوني، ومجلة «غرانتا» المشهورة بانتقائيتها الشديدة ومعاييرها العالية.
تمرير قصة مشكوك في أمرها على نحو واضح من لجنة تحكيم، يُفترَض أن لها مصداقيتها، وهيئة تحرير مجلة مرموقة، يخبرنا أن مرحلة من تاريخ الأدب قد انتهت، لتحل محلها أخرى هجينة موسومة بالضبابية وانعدام القدرة على التمييز بين ما هو بشري مبتكر وما هو آلي بليد، وما يزيد من عبثية الموقف أن البشر يحتكمون إلى نماذج آلية، غير موثوقة في الغالب، لكشف حدود تدخل الذكاء الاصطناعي في نصٍ ما!أصدرت مؤسسة الكومنولث بيانا خلاصته أنها تتعامل بجدية مع الاتهامات المثارة حول عدد من القصص الفائزة بجوائز هذا العام (طالت الاتهامات قصتين أخريين)، واتخذت خطوات لفحص ومراجعة كل الأدلة المتاحة.
ولفت البيان النظر إلى التحديات التي يواجهها الأدب والإبداع عامة، نتيجة التطورات المتسارعة للذكاء الاصطناعي.
ودافعت «غرانتا»، التي تنشر القصص الفائزة بالجائزة، عن نفسها بأنها ليست طرفا في عملية الاختيار، وأنها ملتزمة بقرار جائزة الكومنولث ولجنة تحكيمها، وبالتالي ستُبقي تلك النصوص على موقعها لحين ظهور دليل قاطع على تدخل الآلة في كتابتها.
أما جمير نذير نفسه فقد أعلن، في تصريحات لصحيفة «أوبزرفر»، أنه يكتب بطريقة غير معتادة بواسطة هاتف أندرويد، يملي عليه صوتيا ما يرغب في كتابته، فيحوله إلى نص! وأرجع الضجة المثارة إلى «غيرة كاتب آخر»! فحصت محررة «أوبزرفر» إيريكا واغنر الصورة الشخصية التي أرسلها لها نذير باستخدام أداة لكشف الذكاء الاصطناعي، فوجدت أنها مولدة آليا أو معدلة بشدة، وفي إضافة ذات مغزى أشارت إلى أن رده على رسالتها الأولى له احتوى على أخطاء إملائية ونحوية.
عن نفسي قرأت قصة «الأفعى في البستان» على موقع «غرانتا»، وبدت لي متكلفة وحافلة بتكرارات مفتعلة، ويغلب على مجازاتها انعدام المنطق، لكن أكثر ما استوقفني كان اتسامها بـ»سيميترية» مبالغ فيها.
تعليقا على هذه الأزمة كتب الروائي البريطاني ويل سيلف مقالا، نشره على حسابه في منصة «إكس»، أعلن فيه موت الرواية.
صحيح أنه مولع بإعلان موت الرواية دوريا، وأنه عادة ما يُقابل بردود فعل عنيفة، إلّا أن لكلامه هذه المرة مسوغاته، حيث وصف ما حدث بأول تجلٍ أدبي حقيقي لتصدع حضاري أكبر بكثير من مجرد زلة محرر؛ فالمؤسسات المنوط بها حماية الأسلوب الأدبي لم تعد قادرة على تمييزه بصورة مؤكدة.
وخلص إلى أننا نشهد نشوء طبقة جديدة من الكُتَّاب، فمَن يتمتعون بأسلوب أصيل ويجيدون استخدام الذكاء الاصطناعي بطريقة نقدية سيسيطرون على الإنتاج الثقافي.
ميَّز سيلف بين الأنواع الأدبية الخفيفة، حيث ليس ثمة صعوبة في توليدها آلياً لأنها قائمة على أنماط جاهزة، ومستويات الأسلوب الأدبي العليا التي تظل عصية لأنها تضمر اللايقين والتناقض.
فجيمس جويس وفرجينيا وولف وأمثالهما يجسدون إرثاً ثقافياً وفلسفياً هائلا داخل الشكل اللغوي.
وتطلب الأمر آلاف البشر وملايين التصورات الفكرية كي يتكون النسيج الحي لرواية «عوليس».
ما يؤكد أننا وطئنا مجاهل نحتاج إلى التكاتف والنقاش الخلاق، كي نتمكن من الخوض فيها.
هذه الضجة تزامنت مع ضجة أخرى بطلتها أولغا توكارتشوك الكاتبة البولندية الحائزة نوبل، التي نُقِل عنها أنها اعترفت، خلال مشاركتها في فعالية ثقافية في موطنها، باستعانتها بأحد نماذج الذكاء الاصطناعي في كتابة عملها المقبل، وحين قوبل هذا بجدل كبير، ردت صاحبة «جر محراثك فوق عظام الموتى» بأن كلامها قد أسيئ فهمه، كما يحدث عادة مع أي حديث أمام جمهور مباشر في ندوة عامة، وأنها لم تكتب روايتها الجديدة، التي ستصدر بالبولندية في الخريف، باستخدام الذكاء الاصطناعي، فاعتمادها عليه يقف عند حدود البحث الأولي المتبوع بتحقق لاحق.
غير أن بعض ما ذكرته توكارتشوك، في الفعالية المشار إليها، لا لبس فيه: «كثيرا ما أسأل الآلة ببساطة: «عزيزي، كيف يمكننا تطوير هذا بشكل جميل؟ ».
وأعلنت أيضا، في الفعالية ذاتها، أن هذه الرواية ستكون عملها الأخير، لأنها تعتقد أن القراء لم يعودوا مهتمين بالأعمال الأدبية المعقدة، ورغم شعورها بالحنين إلى الطرق القديمة، فإنها تقبل حقيقة أن هذه الطرق قد رحلت بلا عودة.
ما يعيدنا مرة أخرى إلى كلام ويل سيلف عن موت الرواية، فهما وإن وقفا على طرفي نقيض – هو ضد تغول التقنية، فيما ترى هي فيها ميزة هائلة – يتفقان على أن الأدب كما نعرفه قد انتهى لتبدأ مرحلة أخرى قوامها الالتباس واللايقين.
لكن أهم ما في رؤية سيلف إيمانه بأن الأسلوب البشري الأصيل عصي على التقليد، فالخبرات الإنسانية العميقة يصعب تزييفها، وكذلك الجرأة على سلوك دروب غير مطروقة ولا معبدة.
ويحضرني في هذا السياق قول فالتر بنيامين إن كل الأعمال الأدبية العظيمة إما أن تقضي على نوعٍ أدبي قائم، أو أن تخترع نوعا أدبيا جديدا.
وهذا ما قد ينقذ الإبداع البشري مِن الاندثار؛ فأمام وضع إشكالي كالذي نعايشه لا خلاص سوى بشحذ ملكة الابتكار والنهل بعمق من المنابع التي تميزنا عن الآلة، وعدم الركون إلى القواعد القارة والأنماط المألوفة.
وفي رأييّ أن براعة الكُتَّاب ذوي الأسلوب الأدبي الأصيل تتبدى في قدرتهم على تحويل ما قد يبدو عيبا أو نقصا لدى الآخرين، إلى نقاط قوة وتميز في كتابتهم، وهذا ما أصفه بـ»النواقص» الفريدة.
فعلى سبيل المثال، أكثر ما يعجبني في كتابة الروائي الإسباني خابيير مارياس، ليس كمالا مفترضا، بل على العكس أحب عيوبه ونواقصه ككاتب.
أقصد قدرته على تحويل ما قد يبدو لدى كُتَّاب آخرين عيوبا فادحة إلى سمات أسلوبية فريدة.
يُغرِق مارياس قراءه في استطرادات بلا نهاية، وينتقل من موضوع إلى آخر من دون مبرر فني واضح، محافظا طوال الوقت على نبرته المتفلسفة، ثم نكتشف في النهاية أن هذه الاستطرادات هي لب عمله وليست استطرادا فائضا عن الحاجة، وحتى إن كانت كذلك فهي قادرة دوما – من وجهة نظري على الأقل- على إغواء القارئ للمواصلة، متناسيا ما ظنه قبلا مركز ما يقرأ.
في المقابل تميل نماذج الذكاء الاصطناعي إلى تكلف نوع من «الكمال» الزائف، وتهتم بالمظهر المصقول حتى إن لم يضمر سوى الفراغ.
فجُل ما تقوم به ـ حتى الآن – التغذي على مؤلفات بشرية ومحاكاتها.
وهذا يقودنا إلى نقطة بالغة الأهمية مفادها أن تغذية هذه النماذج بنصوص الكُتَّاب ينطوي على إشكالات أخلاقية عديدة، ويمثل انتهاكا لحقوق الملكية الفكرية.
لذا يخوض كثير من الكُتَّاب في الغرب معارك قضائية لمنع استخدام أعمالهم في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي.
وهي قضية لم تحظ بعد باهتمام جاد عربيا، في حدود علمي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك