قناة الشرق للأخبار - إيران والنووي.. خطر أعلى مما كان قبل الحرب قناة التليفزيون العربي - تصويت مجلس النواب بتقييد صلاحيات ترمب في حربه على إيران.. هل يصطدم التنفيذ بحق النقض لدى الرئيس؟ العربي الجديد - رونالدو ينافس ميسي... من كرة القدم إلى عالم الأعمال القدس العربي - معادلة غزة المعقدة: لماذا يحتاج الجميع بقاء حماس؟ قناة الجزيرة مباشر - Why target airports at this time? قناة الشرق للأخبار - ترمب لن يوقع على اتفاق يتضمن إرسال أموال لإيران والسبب قناة الغد - ترمب يفشل في «ثلاث هدن» بالشرق الأوسط قناة الغد - فيروس إيبولا.. ارتفاع الإصابات إلى 381 حالة في الكونغو القدس العربي - ثقافة الرضا والهيمنة: هل نحتاج فعلاً إلى حقوق؟ قناة الغد - رسالة مفتوحة من زيلينسكي لبوتين لإنهاء الحرب
عامة

مرض الغنوشي أم مرض النخبة؟

العربي الجديد
العربي الجديد منذ 1 أسبوع
2

حين دخل رئيس البرلمان التونسي المنحل راشد الغنوشي المستشفى، لم يكن المرض وحده ما يفتك به، كان هناك أيضاً صمت الأصدقاء وضجيج الشامتين. كان هذا في 30 إبريل/ نيسان الماضي، بعد أن أعلنت حركة النهضة عن تده...

ملخص مرصد
أدخل راشد الغنوشي، زعيم حركة النهضة وزعيم سابق للبرلمان التونسي، المستشفى في 30 إبريل/نيسان 2024 بعد تدهور حاد في حالته الصحية، وهو مسجون منذ إبريل 2023 بتهم تتجاوز أحكامها 70 عاماً. أثار مرضه ردود أفعال متباينة بين صمت النخبة وشماتة بعض الصفحات الإلكترونية، بينما برزت مواقف تضامنية فردية مثل الفنانة نرمين صفر. تزامنت الأزمة الصحية مع انتقادات واسعة لصمت التونسيين تجاه ما وصف بانهيار الحلم الديمقراطي بعد أحداث 25 يوليو/تموز 2021.
  • أدخل الغنوشي المستشفى في 30 إبريل/نيسان 2024 بعد تدهور صحي مفاجئ
  • أثار مرضه ردود أفعال متباينة بين صمت النخبة وشماتة بعض الصفحات الإلكترونية
  • بروز مواقف تضامنية فردية مثل الفنانة نرمين صفر رغم الهجوم عليها
من: راشد الغنوشي أين: تونس

حين دخل رئيس البرلمان التونسي المنحل راشد الغنوشي المستشفى، لم يكن المرض وحده ما يفتك به، كان هناك أيضاً صمت الأصدقاء وضجيج الشامتين.

كان هذا في 30 إبريل/ نيسان الماضي، بعد أن أعلنت حركة النهضة عن تدهور حاد في الوضع الصحي لزعيمها، القابع في السجن منذ إبريل 2023، ما استوجب نقله بصفة عاجلة إلى المستشفى لتلقي العلاج والمراقبة الطبية.

والرجل الثمانيني ليس سجيناً سياسيّاً عادياً، بل يُصنّف أحد أكبر السجناء السياسيين في العالم اليوم، بقضايا تفوق أحكامها 70 عاماً، وبثلاث سنوات من الاعتقال من دون أفق قانوني واضح.

قبل أن يكون زعيم حزب، وقبل أن يكون رئيساً للبرلمان، كان راشد الغنوشي مفكراً عربياً إسلامياً من طراز نادر.

درس الفلسفة في دمشق وفي السوربون بباريس، وعاد إلى تونس ليواجه مصيراً قاسياً: حكم بالإعدام في عهد بورقيبة، ثم سجن وتعذيب ونفي قسري في عهد بن علي دام 22 عاما في لندن.

وهناك لم يتوقف عن الكتابة والتأليف، واضعاً مؤلفات فكرية كبرى، أبرزها كتابه المرجعي" الحريات العامة في الدولة الإسلامية" الذي كتب جزءاً منه وهو في السجن، ودافع فيه عن فكرة كانت جريئة في زمنها: أن الإسلام يقبل التعدّدية الحزبية والديمقراطية.

بعد الثورة، صنفته مجلة تايم الأميركية عام 2012 ضمن أكثر مائة شخصية تأثيراً ونفوذاً في العالم، ومنحته" تشاتام هاوس" جائزتها المرموقة مع الرئيس التونسي الأسبق منصف المرزوقي، تقديراً لدوره في إنجاح الانتقال الديمقراطي في تونس.

اختلف معه اليساريون والعلمانيون، دخل في صراعات، أخطأ وأصاب، لكن أحداً لم يستطع أن ينزع عنه صفتي المفكّر والسياسي المحنك.

والأهم أنه، في عز قوته، لم يسجن خصماً، ولم ينكّل بصحافي، ولم يضيّق على إعلام، كان الناس يتكلمون بكل أطيافهم وخلفياتهم.

وفي اللحظة التي يُفترض أن تهتز فيها ضمائر النخب والعامة أمام مشهد شيخٍ مريضٍ خلف القضبان، حصل ما لم يكن في الحسبان: خيّم صمتٌ مطبقٌ من شريحة واسعة ممن يفترض بهم أن يكونوا في طليعة المعارضين لسياسة القمع، بينما انطلقت في المقابل موجة شماتة وتشفٍّ من شريحة أخرى، وحتى من صفحات مأجورة يغذّيها ذباب إلكتروني.

قبل أن يكون زعيم حزب، وقبل أن يكون رئيساً للبرلمان، كان راشد الغنوشي مفكراً عربياً إسلامياً من طراز نادروسط هذا العبث، برز شيءٌ مختلف: فنانة استعراضية تُدعى نرمين صفر تضامنت في صفحتها مع الشيخ، كتبت ما معناه أنها تحترم قامته الفكرية، لم تكتف بالدعاء له بالشفاء، بل خاضت في" الممنوع" في زمن صار فيه التضامن مع الغنّوشي تهمة بحد ذاتها.

وزاد الطين بلة أن النخبة ظلت صامتة، بينما انهالت موجة التهكم والسخرية من الصفحات المأجورة والمحسوبة على النظام في تونس، إضافة إلى بعض من انجرفوا وراء تلك الموجة من دون تمحيص.

ولم تستهجن تعليقاتٌ ملأت المنصات سجن شيخ ثمانيني، بل استهجنت أن" راقصة لها رأي"، وأن" من تكون هذه لتتحدّث في السياسة والفكر؟ "، وكأن التضامن صار نادياً مغلقاً لا يحقّ لأحد أن ينضم إليه.

ثمة خط رفيع بين الخصومة السياسية والسقوط الإنساني، وكثيرون تجاوزوه هذه الأيام من دون أن يرفّ لهم جفن.

ليست الشماتة في مرض رجل ثمانيني خلف القضبان موقفا سياسيا، بل هي عطبٌ في الضمير.

يمكنك أن تعتبر الغنوشي خصماً لدوداً، يمكنك أن ترى في مسيرته ما شئت من أخطاء، أما أن تجد في مرضه فرصة للشماتة فهذا كشف لحقيقتك أنت لا لحقيقته هو.

لقد أخطأت" النهضة"، نعم.

وربما أخطأ الغنوشي كثيراً، لكنهما ليسا وحدهما في هذا الخطأ.

جميع التونسيين كانوا شركاء في قتل الحلم، والنخب والأحزاب الأخرىخرج الغنوشي من المستشفى وعاد إلى زنزانته، إلى المصير الذي كان يمكنه تفاديه لو أراد.

ففي ليلة 25 يوليو/ تموز 2021، كان بإمكانه المغادرة، كان يعرف مسبقاً أن البقاء يعني الاعتقال، وأن خصومه هذه المرّة ليسوا في وارد المساومة، لكنه بقي.

اختار أن ينزل إلى البرلمان ليقف وحيداً مع بعض النواب أمام باب المجلس الموصد بالأقفال والمدجج بالسلاح والدبابات، يتكلم عن الديمقراطية والشرعية والدستور، فيجيبه جندي لا يفهم من الأمر شيئاً غير أن التعليمات تمنع الدخول.

كان حواراً بين عالمين لا يلتقيان، وتلك الصورة لن تُمحى من ذاكرة تونس الحديثة، مهما حاول قيس سعيّد طمسها.

ربما ظنّ الغنوشي أن ما سيحدًث سيشبه ما جرى في تركيا ليلة 15 يوليو/ تموز 2016، حين خرج الأتراك المعارضون للرئيس أردوغان أكثر من مؤيديه، واتفقوا على شيء واحد: رفض الانقلاب.

ربما ظن أن التونسيين، بعد عشرية من الثورة، تسلحوا بذلك الوعي، أن الفكرة صارت في الوجدان: مآل أي انقلاب على الشرعية الظلام، لكن شيئاً من ذلك لم يحدث.

رغم انتشار الفيديو، لم يهتزّ أحد، حتى أن كثيرين ممن كانوا يُسمّون" القاعدة الشعبية" لحركة النهضة لم يتحرّكوا.

قال بعضهم إن قيس سعيّد نفسه فوجئ من انعدام ردة الفعل، لم يتوقع أن يمر انقلابه بهذه السهولة.

تلك الليلة أُسدل الستار على آخر فصول الحلم الديمقراطي التونسي.

ربما ظن سعيّد ومن يدعمونه أنهم استطاعوا كسر الرجل، لكنهم لم يفهموا أن بقاءه كان رسالة، وأن صموده درس.

واليوم، بعد نحو خمس سنوات من تلك الليلة، لا يزال الدرس قائماً ولو من خلف القضبان، لكن ما يلح لا يتعلق بالغنوشي ولا بسجّانه، بل بالتونسيين: كيف تحوّل بعض من كانوا يدافعون عن الديمقراطية إلى متفرّجين صامتين، بل ومتشفين في محنته؟ هل كان الوعي الذي ظنناه ترسخ في عشرية الثورة هشّاً إلى هذا الحد، أم أننا لم نكن نملكه أصلاً؟

لم يكن هذا الصمت الذي يوجع الصدمة الوحيدة، فالمأساة لم تقف عند صمت الشارع وحده، بل امتدّت أيضاً إلى غدر بعض المقرّبين ممن كانوا يتملقونه بالأمس، وإلى سياسيين لم يقرأوا المشهد وأعمى الحقد بصيرتهم.

ربما ظن سعيّد ومن يدعمونه أنهم استطاعوا كسر الغنوشي، لكنهم لم يفهموا أن بقاءه كان رسالة، وأن صموده درسلقد أخطأت" النهضة"، نعم.

وربما أخطأ الغنوشي كثيراً، لكنهما ليسا وحدهما في هذا الخطأ.

جميع التونسيين كانوا شركاء في قتل الحلم، والنخب والأحزاب الأخرى.

في تلك الليلة المشؤومة، وقف الجميع متفرّجين، كل لأسبابه: بعضٌ خوفاً، وآخرون شماتة، وبعض ثالث لقصر نظر سياسي مزمن.

انظروا إلى تونس اليوم.

عزلة دولية، وانهيار اقتصادي، وتدمير ممنهج للمؤسّسات، وقمع لم يُشهد له مثيل، وحرّيات متآكلة، وإعلام مكمم الأفواه.

هذا ما جنته البلاد من صمت ليلة" 25 يوليو" (2021).

والذين غدروا بالغنّوشي وكذبوا عليه، والذين شمتوا به وفرحوا بسقوطه، والذين آثروا السلامة على الكلمة، لن يرحمهم التاريخ، والأيام وحدها كفيلة بفضح الجميع.

في خضم هذا السواد، لم تخجل نرمين صفر من اتخاذ موقف إنساني واضح.

هي التي سخر منها" العارفون"، أعادت تعريف من هو" صاحب الضمير" الحقيقي في هذه اللحظة التونسية القاسية.

ليس بالضرورة من يحمل شهادة أكاديمية أو منصباً أو ماضياً نضالياً، بل من يحمل ضميراً حين يتخلى الجميع عنه.

أما الشيخ الذي وقف أمام الدبّابة ليلة" 25 يوليو"، مريضاً منهكاً، يتحدّث عن الديمقراطية بينما لا أحد يسمع، فقد اختار مصيره بإرادته، لم يهرُب، بقي ليواجه.

وفي هذا البقاء ما يكفي من الكلام.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك