يُحسب للفنان المصري سعيد الصدر أنه أعاد الاعتبار لفن الخزف في الثلاثينيات، بعد قرونٍ من التراجع انحصر حضورها في حدود الوظيفة والاستخدام اليومي، إذ نقل هذا الفن من هامش الحرفة إلى الممارسة التشكيلية، كما يضيء المعرض الاستعادي لتجربته الذي افتُتح في العشرين من الشهر الجاري في قصر الفنون بالقاهرة، ويتواصل حتى نهاية الشهر المقبل.
وُلد الصدر، وهو من عائلة ترجع أصولها إلى مدينة طولكرم الفلسطينية، في لحظة تاريخية كانت فيها الفنون التشكيلية المصرية الحديثة تتكرس على يد جيل الرواد، مثل محمود مختار، ومحمود سعيد، ويوسف كامل، وراغب عياد.
غير أن خصوصية مساره تكمن في اختياره مجالاً لم يكن يحتل مركز الصدارة في الوعي الفني العام، وهو فن الخزف.
تبلورت ملامح مشروعه بعد عودته من بعثته إلى لندن عام 1931، حيث احتك بالمدارس الأوروبية في الخزف، واطلع على تجارب المتاحف الكبرى؛ هذا الاحتكاك أفضى إلى مساءلة عميقة لمسار الفن الإسلامي نفسه، الذي كان قد شهد انقطاعاً طويلاً منذ دخول العثمانيين إلى المنطقة، حيث تعامل مع هذا التراث باعتباره مادة قابلة لإعادة التشكيل والتطوير.
حوّل الخزف إلى بنية تشكيلية مكتملة تحمل قيمة بصرية ورمزيةيحتل البريق المعدني موقعاً مركزياً في مشروعه، وهو أسلوب تقني معقد يقوم على التحكم في التفاعلات الكيميائية داخل الفرن لإنتاج طبقات لونية معدنية ذات لمعان خاص، وكانت هذه التقنية قد همشت تماماً في الممارسات الحرفية التقليدية لقرون.
ما فعله الصدر أنه طور هذا الأسلوب، بل وأضاف إليه تقنيات جديدة، بعضها يعتمد على التحكم الدقيق في درجات الحرارة، وبعضها على استخدام مركبات معدنية مختلفة مثل أكاسيد النحاس والفضة، كما تعكسه الأعمال المعروضة.
لكن الأهمية الأعمق لتجربة الصدر تكمن في إعادة تعريف الشكل الخزفي، إذ منحه استقلالاً جمالياً عن الزخرفة، بحيث يصبح الشكل نفسه بانحناءاته ونسبه واتساعه وارتفاعه موضوعاً للتأمل الفني.
بهذا تحول الإناء إلى بنية تشكيلية مكتملة، تحمل قيمها البصرية والرمزية في ذاتها.
لقد استلهم الصدر البنية الزخرفية الإسلامية القائمة على الامتداد واللانهاية والتكرار الهندسي، لكنه تبنى كذلك حساً حداثياً يركز على المادة والشكل بوصفهما قيمة مستقلة عن الوظيفة والزخرفة.
إلى جانب البعد التقني والجمالي، يتأسس مشروع الصدر على بعد ثالث لا يقل أهمية، وهو البعد التعليمي والمؤسسي.
فقد أسهم في تأسيس قسم الخزف بكلية الفنون التطبيقية، وشارك في تدريب أجيال من الفنانين الذين أصبحوا لاحقاً من أبرز الأسماء في هذا المجال.
كما ارتبط اسمه بمركز الخزف في حي الفسطاط شرق القاهرة، الذي تحول إلى فضاء تجريبي يجمع بين الحرفة التقليدية والرؤية الفنية الحديثة.
هذا الدور التعليمي كان امتداداً لتجربته، إذ كان يؤمن بأن الفن لا يكتمل إلا إذا تحول إلى معرفة قابلة للنقل والتطوير، وأن التجربة الفردية لا تكتسب قيمتها إلا إذا أصبحت جزءاً من سياق جماعي أوسع.
لذلك، فإن الحديث عن تلاميذه في عنوان المعرض يمثل تأكيداً على طبيعة مشروعه بوصفه مدرسة فنية قائمة بذاتها.
إلى جانب أعمال سعيد الصدر يضم المعرض أعمالاً لستة فنانين أخرين وهم، جمال حنفي وزينب سالم وجمال عبود وسلوى رشدي وزينات عبد الجواد ونبيل درويش.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك