تبنَّت الولايات المتحدة استراتيجية جديدة بشأن الملف الكوبي تعتمد على إنهاك الخصم بدلا من إسقاطه بالحروب المباشرة؛ ففي الوقت الذي تنشغل فيه إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بملفات أكثر اشتعالًا مثل إيران وأوكرانيا، تتكشف في الخلفية تحركات أميركية هادئة لكنها شديدة الحساسية تجاه هافانا، عنوانها الأبرز «الاستعداد لاحتمال انهيار النظام الكوبي».
وبحسب تصريحات لمسؤولين أميركيين لموقع «أكسيوس» الأميركي، فإن إدارة ترمب تستعد لاحتمال انهيار الحكومة في كوبا في وقت مبكر من هذا الصيف، وقد وضعت خططًا عسكرية جديدة للاستجابة في حال انزلاق الجزيرة إلى الفوضى.
وأشار المسؤولون الأميركيون إلى أن الرئيس ترمب لم يأذن بغزو كوبا ويفضل الانتقال السلمي إلى كوبا حرة، لذلك ستواصل الإدارة الضغط من أجل فرض عقوبات اقتصادية في محاولة لخنق النظام في هافانا ببطء.
وقال مسؤول كبير في إدارة ترمب إن «أفضل طريقة لوصفها هي التسارع، في إشارة إلى فلسفة تسريع الانهيار المجتمعي»، مضيفًا «لكننا لا نريد القضاء على النظام الآن.
هناك طريقة لذلك.
إنها تتم على مراحل».
وأوضح أن هذا الضغط المنهجي على النظام الشيوعي في كوبا يهدف أيضاً إلى كسب الوقت لترمب، المنشغل الآن بمحادثات السلام مع إيران، للتركيز في النهاية على كوبا وتحديد كيفية إحداث التغيير هناك.
وقال مسؤول كبير آخر في الإدارة الأميركية: «لم ينتهِ الأمر في إيران، والرئيس ليس في عجلة من أمره.
يريد ترمب استنفاد جميع الوسائل المتاحة له، ولكن في هذه المرحلة، لم تعد الوسائل المتاحة كثيرة كما كانت من قبل».
وقال مسؤول إداري رفيع ثالث: «لدينا مجموعة أدوات واسعة للغاية، خاصة عندما يتعلق الأمر بالعقوبات وإنفاذها.
والمزيد في الطريق».
وتهدف عملية كوبا إلى القضاء على مصدر التحريض الماركسي والنشاط المناهض للولايات المتحدة في أميركا اللاتينية منذ أن قاد فيدل وراؤول كاسترو ثورتهما الناجحة في عام 1959.
وقال أحد كبار المسؤولين الأميركيين، إن القيادة الجنوبية الأميركية، التي تشرف على العمليات العسكرية في منطقة البحر الكاريبي، أجرت الشهر الماضي تمرينا «على الطاولة» متعدد الوكالات للتحضير للعمل العسكري في كوبا.
وأضاف المسؤول: «كل الخيارات مطروحة، لكن لا توجد خطط لغزو أو احتمال وشيك.
عندما يأمر الرئيس بالتحرك، فنحن مستعدون لأي شيء».
وذكر مصدر آخر أن المسؤولين الأميركيين ناقشوا خلال التمرين امتلاك كوبا للطائرات دون طيار وكيفية الرد على الاضطرابات المحتملة في ظل الحرارة الشديدة في كوبا مع تحول الربيع إلى صيف.
وخلال انتفاضات 11 يوليو/تموز 2022 في الجزيرة، قمعت السلطات الكوبية بوحشية المتظاهرين المطالبين بمزيد من الحريات وسجنتهم، والآن، أصبحت الأوضاع أسوأ.
«سيكون الجو حارا.
لن تتوفر الكهرباء.
سيفسد الطعام دون تبريد.
سيغضب الناس.
وقد يخرجون إلى الشوارع.
وماذا سيحدث حينها؟ لا أتصور أن يقف الرئيس مكتوف الأيدي في ظل القمع»، يقول المصدر.
لكن مصدراً آخر، وهو مستشار لترمب، خالف هذا الرأي، قائلا: «الرئيس لا يريد وجود قوات برية لأكثر من 48 ساعة.
إنها مستنقع يتشكل.
قد يصبح الوضع فوضويا».
وقال أحد مستشاري الرئيس إن النهج المتبع تجاه كوبا هو «نهج ترمب الكلاسيكي: دفع عدوك إلى زعزعة توازنه.
إنه الضغط، ومراقبة الرد، ثم ممارسة المزيد من الضغط، ومراقبة الرد، ثم ممارسة المزيد من الضغط».
في الأول من مايو/أيار، وقع ترمب أمرا تنفيذيا يفرض «عقوبات ثانوية» تستهدف الشركات، وكثير منها شركات أجنبية، لمنعها من التعامل مع المنظمة العسكرية الصناعية الكوبية الضخمة المعروفة باسم GAESA.
أدى هذا القرار إلى تعليق شركة التعدين الكندية «شيريت إنترناشونال» وشركتي الشحن «سي إم إيه سي جي إم» و«هاباج لويد» عملياتهما في كوبا.
ومن المتوقع أن تنسحب المؤسسات المالية وشركات الفنادق في دول مثل إسبانيا وبنما والمكسيك من كوبا أيضا.
وتختلف هذه العقوبات عن الحظر الأميركي، الذي يحظر بشكل أساسي التجارة مع الجزيرة، والذي كان موجودا بشكل أو بآخر منذ عام 1962.
وقال ماكس ميزليش، وهو مسؤول سابق في وزارة الخزانة ومتخصص في العقوبات المفروضة على كوبا «لم نشهد قط هذا النوع من الضغط»، مضيفًا «إنها لعبة جديدة تماما».
ويُعدّ وزير الخارجية ماركو روبيو أحد أبرز مهندسي سياسة ترمب تجاه أميركا اللاتينية، وقد قاد حملة إدارة ترمب الإعلامية ضد اتفاقية غايسا.
وأعلن روبيو عن فرض عقوبات بموجب هذه الاتفاقية في 7 مايو/تموز، وجعلها محور رسالة فيديو وجّهها إلى مواطني الجزيرة في 20 مايو بمناسبة عيد استقلال كوبا.
في ذلك اليوم، كشفت وزارة العدل عن لائحة اتهام فيدرالية بالقتل موجهة إلى راؤول كاسترو، بزعم إصداره أوامر إسقاط الطائرات في عملية «الإخوة للإنقاذ» عام 1996.
وأعلنت القيادة الجنوبية الأميركية (ساوثكوم) وصول مجموعة حاملة الطائرات «نيميتز» إلى المنطقة.
وفي 21 مايو/أيار، أعلن روبيو اعتقال شقيقة المرأة التي تدير شركة GAESA بعد أن ألغى بطاقة الإقامة الدائمة الخاصة بها.
وبعد يومين، أفادت قناة فوكس نيوز أن مسؤولي وزارة الخزانة كانوا يحققون مع حسن بيكر، وهو شخصية يسارية بارزة في مجال البث المباشر، وجماعة «كود بينك» الناشطة، لاحتمال انتهاكهم للعقوبات الأميركية خلال رحلة إلى كوبا في مارس/آذار.
وأعلنت الولايات المتحدة هذا الشهر عن تقديمها 100 مليون دولار كمساعدات لكوبا، شريطة ألا تُرسل إلى الحكومة وأن تُحوّل بدلاً من ذلك عبر الكنيسة الكاثوليكية وغيرها من المؤسسات الخيرية.
وكانت قد عرضت 6 ملايين دولار لكوبا بعد إعصار ميليسا العام الماضي.
وقال مسؤول كبير في الإدارة الأميركية، واصفا السياسة الأميركية بأنها «حملة لإظهار الناس أن بإمكانهم أن يعيشوا حياة أفضل إذا تنحى النظام عن طريقهم»: « لو أردنا التعجيل بالانهيار، لما أرسلنا أي مساعدة».
وصرح وزير الخارجية الكوبي، برونو رودريغيز باريلا، لقناة فوكس نيوز، يوم الأحد، بأن الولايات المتحدة، وروبيو تحديدا، تتلاعب بالرأي العام لتبرير التدخل العسكري.
وقال أحد المسؤولين إن «الوضع السياسي معقد على كلا الجانبين»، مضيفًا «لكن لدينا الوقت.
أما النظام فلا يملكه».

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك